كثر الحديث عن الاقتصاد هذه الأيام واختلطت التجاذبات السياسية بالملف الاقتصادي وخصوصا بمعضلته الاساسية المتمثلة في “غول ” البطالة. فرأيت التعتيم في كل مكان ، تعتيم على تعتيم ، من التعتيم ما مصدره لخبطة سياسيةومنه ما تتراى ضلال ايادي اجرامية تنفثه في الهواء سما قاتلا.
كان مفروضا وضع الحروف على النقاط ، هذه المرحلة مرحلة انجاز اهداف الثورة وهي لتحقيق الإصلاحات الهيكيلية ، ولكن هناك اصوات مريضة ضلت تردد على من يسمع وعلى من به صمم ان المدة قصيرة لإطلاق اصلاحات هيكيلية. ووضعت في عجلة هذه الحكومة عراقيل لا تحصى ولا تعد حتى لا تقدم على إحداث فارق هيكلي يهيأ البلاد في مرحلة قادمة للخروج من نكستها التي تعود إلى مطلع هذا القرن.
لقد تمكنت القوى المدمرة التي عانت منها بلادنا من الحصول على هدنة وفرتها لحكومة السبسي دفعت بها الانتخابات الى اكتوبر مما سهل وضع منسوخة ميزانية الدولة على مقاس الميزانيات السابقة بات من الصعب على الحكومة المنتخبة من مراجعتها بدقة .
على ماذا تحتوي هذه الميزانية؟
انها ببساطة تحتوي على عناصر الأزمة التي كانت خلف انهيار نظام بن علي وفشله الذريع. انها بلغة الارقام ترسخ حجم الموازنة القديمة لسنة 2011 بعد ان تضيف اليها العشرة في المائة الإضافية التي تحولت إلى قانون إجباري تضخمت بموجبه ميزانية الدولة من سنة إلى أخرى.
خلف هذه الميزانية يقف منوال النمو الذي تم تركيزه على مدى العقود المنصرمة ، انه منوال استحقاقات وقوانين صرف و جداول مقابيض ودفوعات .بات الاقتصاد التونسي يعيش على وقعها.
فمتى ستبدا الحكومة فرض سياسة التقشف المعلنة وقد صارت حبيسة ميزانية دولة سيصادق عليها المجلس بسرعة .نظرا للاستعجالية المصطنعة التي لم تكن الا كمينا نصب لهذه الأحزاب التي لا علم لها بدقائق الأرقام ولا باستحقاقات ميزان الدفوعات من حيث الآجال ولا حجم تلك الدفوعات.؟
لقد تمكن الباجي قايد السبسي وحكومته من جر البلاد الى كمين ضخم ، وسيجبرون حكومة منبثقة من ثورة ان تتعامل مع ارقام ميزانية دولة كانت وضعتها سياسة بن على الفاشلة.وتختفي خلفها عصابات تهريب وسرقة ونهب مال عام ، اذا كنا سننجو من هول الكارثة، فعلينا ان نأمل ألا يقع أعضاء الحكومة في الفخ الكبير الذي نصب لهم وهو جرهم إلى الفساد .وسقوطهم في عمليات مشبوهة وضعت عبر فخاخ صغيرة نصبت من داخل صرف ميزانية الدولة نفسها.
رأيت …وفي مواقع كثيرة …أطراف رفعتها الثورة الى السلطة تتصرف كانها ..جاءت الى الحكم بموجب صفقة…والحال ان الثورة هي التي رفعت هؤلاء…وكان لزاما عليهم ان ينظروا …الى الامور من وجهتها الصحيحة…هي ان يعدوا خطة لاصلاح هيكلي ..يبدا استعجاليا بمراجعة لحسابات الدولة…ثانيا وفي نفس الوقت …إطلاق سراح القضاء …والاستماع الى الدعاوي العمومية والخاصة خصوصا تلك التي تشغل حيزا كبيرا في رقم المعاملات مع المال العام.لان العنصر الاساسي في دمار الاقتصاد التونسي هو الفساد.
هذا وحده كفيل بتحرير الاستثمار الداخلي الذي ضل حبيسا طوال عقود …بادارة فاسدة …وعصابات ولوبيات مالية واقتصادية …تشل من حرية الاستثمار.بعض الذكاء الاستباقي هو اعداد البلاد الى مرحلة جديدة …..سنعمل فيها على تعدد شركاؤنا الدوليين…وبحث عن اسواق جديدة.ولكن هذه لن تكون ممكنة الا بعد ان نطهر سجل الحسابات العمومية. هذا هو البرنامج الاقتصادي الوحيد القادر على إنقاذ بلادنا من السقوط. لا يوجد برنامج اخر. كل ما خالف هذا سيكون عمليات ترميم لبناء اشتغل عليه بن علي ليحوله الى مجرد خربة.
اذا سمعتم شخصا بائسا يسخر …وينتظر ان تسقط هذه الحكومة عندما تعجز عن حل المعضلات الاقتصادية ، فاعلموا ان ذلك السافل.ينتمي في جيناته الى نظام بن علي لانه يعلم ان منوال اللاتنمية الذي صنع في العشرين سنة الاخيرة.لا يمكن إصلاحه بين عشية وضحاها.
