الديمقراطية ليست نظام الحرية كما يدعي بعضهم.الحرية مسالة أخرى تتعلق بالقدرة على فرض الاختيار كما يقول غارسيا ماركيز.الديمقراطية هي الحرب بطرق أخرى.أنها نظام الردع والتكافؤ بين القوى والإرادات.هناك أنظمة ديمقراطية كونت من داخلها آليات لمصادرة الحرية بحيث أن نضال بعض الأفراد والقوى من اجل استرداد حريتهم لا تختلف في جوهرها عن معارك أشباههم في نظم ديكتاتورية وفاشية.استيلاء الصهاينة على الديمقراطيات في الغرب يعمل منذ سنوات على تأكل مساحة التعبير الحر إلى درجة مفزعة .
أحداث” الافريكار” هذه الأيام في تونس تعطي فكرة عن الكيفية التي يتعامل فيها البعض على سبيل المناورة بحجة حماية الحرية، حرية الفنان في التعاطي مع أية محرمات.
في لحضة تاريخية هامة من تاريخ بلادنا يبحث فيها الشعب التونسي بعد ثورته على إيجاد توازنات تحمي استقراره وذلك بإحداث مثبتات وفرض قوانين لعبة سياسية قادرة على استبعاد شبح الحرب الأهلية والتصادم العنيف بين أطراف مجتمعه.قامت مجموعة من المخبولين حسيا وعقليا بالتهجم على الرمز الأول للإسلام وهو الله الخالق المؤسس لشعب الإسلام. في حركة نفي غير مسئولة رفع شريط تافه ولا يستحق الفرجة شعار لا الله ولا سيدي.
التهجم على الإسلام هو شعار يرفعه الغرب الاستعماري الذي يقوم منذ عقود بحملات لتركيع شعوب المنطقة.انضمام هؤلاء المشعوذين إلى الحملة لا يخفي عنا احتماءهم سياسيا وعسكريا بقوة الغرب لتمرير هذا الاختراق الذين يعتبرونه جزءا من حريتهم الشخصية والاديولوجية.ولكنه في الحقيقة مواصلة لحملة التركيع الفكري والاديولوجي الذي يقوم به الغرب الاستعماري
لاجبار شعوب المنطقة على قبول حلولهم السياسية .
هؤلاء لا يحسبون حسابا لحركتهم التي تضع مسالة بناء الديمقراطية على شفا هاوية.إنهم يدمرون إمكانية حصول توافق للعيش المشترك بين رؤى الغرب ورؤى الإسلام في إطار نظام ديمقراطي يفسح المجال للشعب كي يختار بين هذا وذاك دون اللجوء للعنف.وهذا في إطار وفاق عام على أن المساس بجوهر الدين الإسلامي مسالة من المحرمات لأنه دين الشعب .
منذ سنوات وفي ضل أشرس الدكتاتوريات التي عرفها التاريخ تحت بن علي تطورت هذه المجموعة التي نذكر منها النوري بوزيد وعصابته وفرضت على العالمين أن الحرية في الفن هي هذه الحرية على انتهاك سترة المحرمات كما يقولون.
رؤية مرضية قامت بتجريف مجال الحرية في الفن لتحوله إلى اديولوجيا ملزمة .وبدون علمهم تحول هذا الإلزام إلى اغتصاب لحرية الإبداع وقتل عمد لحرية الاختيار.بل إن رسالة من هذا النوع للإنسانية لا تقدمها في شئ.رداءات فنية التصقت بهذه الشعارات.جدانوفية قاتلة بدأت تحصد الساحة وتقصي من لا يتفق معهم.والأخطر من ذلك أنهم تحولوا إلى فنانين الدولة السوفياتية
الجديدة التي صارت توزع الجهل والبهامة بعدالة قاتلة.وزارة الثقافة وضعت كل موارد الشعب التونسي على ذمة هؤلاء.وانبروا ينتجون أعمالا شبه فنية تافهة سطحية لا خيال فيها ولا أفكار.مما استبعد نهائيا المتفرج التونسي .وبات الشعب ينظر بعين الريبة لهذا الماخور الكوني الذي تموله الدولة بالمليارات.
ثقافة هابطة متخلفة عنوانها التلميع والصبغة كما يفعل بن علي عندما يصبغ شعره بالمردومة ليبدو شابا على الدوام.وخلف ذلك القناع تسري بشاعة ما انزل الله بها من سلطان.
داخل مدرسة خاصة للتكوين السنمائي تخرجت أجيال ممن يسمونهم سنمائيين يدينون بهذا الدين الجديد.فاسسوا جمهورية باهتة لأعمال مستنسخة من بعضها تافهة وبدون تلك الجرأة التي يدعونها.
التهجم على معتقدات الشعب ليس دائما فاتورة مؤكدة النجاح.
الناس تعرف أن التهجم على الإسلام هو شعار لكسر إرادة شعوب تعاني من التفقير والنهب والاستغلال والاستعمار.والإسلام ليس عنصر وحدتهم كعقيدة فقط وإنما يحتوي على قيم ضرورية للبقاء على إنسانيتهم المسلوبة.انه كنزهم عندما يرونه يحرض على قيم الفضيلة والتآزر والتضامن الحقيقي .يحتفظون به ويدافعون عنه لأنه هو الذي كان خلف كيانهم الإنساني الذي لا يعترف لهم به الغرب.
الحرية ليست مسالة سهلة.لا يمكن ان نأخذها على أنها انطلاق غير محسوب للغرائز.هذه سهلة.اكبر المجرمين كما يقول دستوفسكي سيكون اذا اكبر فنان. الفن هو لحضة مسؤولية.واذا لم يفرض الاحترام فلا فائدة منه. كبار الفنانين الذين قاوموا التيار
وتحملوا اعباء وحدة وعزلة لا حدود لها وتشبثوا بحريتهم الى اخر رمق لم يكونوا يعتبرون تلك الحرية مجرد صلافة واحتقار للانسان.هم يعرفون انهم ان فعلوا ذلك لن يجعلوا من تضحياتهم وخروجهم عن المجتمع وكل الحرمان الذي تكبدوه لن يكون لهذا ثمن حقيقي.
الامجد الباجي
