عادت أجواء الفوضى وحالة الاحتقان إلى الشارع التونسي بشكل تصاعدي في مؤشرات تدل على قرب انزلاق الأوضاع الى المجهول بما يهدد بنشوب حرب أهلية في البلاد إذا ما استمرت المشاحنات كماهي عليه اليوم . فالأحداث الأخيرة التي شهدتها مناطق من البلاد ، كشفت أن الاستقطاب السياسي صار ثنائيا : بين حركة النهضة وحزب المؤتمر مدعومين برابطات حماية الثورة من جهة ، وبين احزاب المعارضة مدعومين بالاتحاد العام التونسي للشغل بشكل علني في الجهة المقابلة . وبين هذا الطرف وذاك تدل بعض المؤشرات عن وجود أطراف تجمعية وبقايا النظام البائد وراء جملة من التحركات المسمومة في مناطق مختلفة من البلاد .
ومن المفارقات الغريبة أن يتشابه الوضع في تونس مع ما هو سائد في مصر بشكل يبعث عن الاستغراب والتساؤل عن امكانية وجود أطراف اقليمية ودولية تحرك الخيوط من وراء الستار . حيث بالموازاة مع حرب التصريحات ما تزال المعارك دائرة بين العلمانيين والإسلاميين في تونس بالرغم من محاولة حركة النهضة التونسية التمظهر بمظهر الاعتدال وتجنبها الوقوع في صدام مع الأحزاب وحركات المجتمع المدني اليسارية في تونس.
فحركة النهضة من جانبها ساهمت بقراراتها الارتجالية وضعف قيادتها للبلاد وفشلها في تطهير القضاء والاعلام والأمن والمؤسسات ومحاسبة المورطين في الفساد في تدهور الأوضاع وفقدان الدولة لهيبتها السياسية والأمنية ، في المقابل لم تظهر صرامتها وحزمها سوى في معالجة ملف السلفيين الذين سقط منهم العشرات بين قتيل وجريح أو وراء القضبان في مختلف تحركاتهم الاحتجاجية . وقد تسبب ” هوان ” قيادات النهضة في خروج شخصيات من النظام السابق من جحورها الى الأظواء و الرأي العام بألوان سياسية مختلفة . وبالتوازي مع اخفاق الحكومة صار الاتحاد العام التونسي للشغل الفاتق الناطق في البلاد والحاكم بأمره في كل الولايات . فهو الذي يقرر التصعيد متى شاء ويهادن من يشاء ويعارض من يشاء ويبارك من يشاء في ظل هشاشة مؤسسات الدولة . ولعل الارقام الاخيرة التي كشفتها مصادر اعلامية دليل على أن مصير الدولة والشعب صار بيد الاتحاد ، حيث كشفت الارقام عن تنظيم 27557 تحرك احتجاجي منذ 14 جانفي 2011 الى غاية 30 أكتوبر 2012 معضمها بمباركة الاتحاد العام التونسي للشغل وقياداته الجهوية ولعل تلك الارقام كفيلة بتحويل البلاد مثل الصومال او افغانستان.
سيناريو خطير لحرب اهلية
وسط كل تلك الصدامات يبقى المواطن التونسي البسيط ضحية لصراع الكراسي والسلطة ، فالتجمع المقبور ترك وراءه ترسانة من الفقر والفساد وشعب معظمه مهمش ومقهور . في المقابل بان بالكاشف ان ما يقارب مليون تونسي كانوا مستفيدون من العهد السابق وهم يتحركون اليوم في كل الاتجاهات لاحياء ما يسمونه ” الزمن الجميل ” . وبين هذا وذاك تدق الحرب الاهلية طبولها من أفواه قيادات لجان حماية الثورة و الاتحاد العام التونسي للشغل اللذان اتخذا قرار التصعيد . وللوقوف على جدية تلك التخمينات يجب العودة الى الأحداث المؤسفة التي جدت أمس الثلاثاء في ساحة محمد علي بالعاصمة . وحسب مصادرنا الخاصة فان شرارة الاحداث اندلعت بعد ورود معلومات الى لجان حماية الثورة بتونس العاصمة تشير الى ان المسيرة التي سينظمها الاتحاد العام التونسي للشغل الى ساحة القصبة احياء لذكرى اغتيال فرحات حشاد بمشاركة الجبهة الشعبية ونداء تونس والمسار ، سيقع خلالها تطويق ساحة الحكومة بالقصبة و رفع شعارات لاسقاط الحكومة على شاكلة ما حدث بمصر . ومنذ ورود تلك المعلومات تحولت لجان حماية الثورة مع أطراف من حركة النهضة وحزب المؤتمر للوقوف امام مقر الاتحاد وافشال المخطط وعكس الهجوم في عقر دار الاتحاد مما تسبب في سقوط عشرات الجرحى في ذكرى اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد . واذا أخذنا هذه المعلومات على محمل الجد فمن حقنا ان نتساءل عن كيفية تسريب المعلومات الى لجان حماية الثورة ؟ ومالغاية من تسريب المعلومات الى تلك اللجان المتهمة بكونها ميليشيات الحزب الحاكم ؟ وهل في تلك الخطوة دلالة على حصولها على شرعية من السلطة لتعويض السلطة الأمنية ؟ ومالذي دفع الاتحاد الى تحويل ذكرى اغتيال حشاد الى لعبة سياسية قذرة ؟ ولماذا وافق الاتحاد على المخططات التي رسمها بعض ” الصبية ” من الجبهة الشعبية لتحويل مسيرة رمزية الى مسيرة دموية تهدف الى محاصرة قصر الحكومة بالقصبة ؟ المؤكد ان الاجابة عن تلك التساؤلات لن تطول ….
