بقلم الناصر الرقيق
قامت القناة الفرنسية الثانية ليلة البارحة بتخصيص برنامج المبعوث الخاص للحديث عن الوضع عن تونس و هذا عادي إذا كان محتوى البرنامج عاديا لكن ما يثير الإنتباه أن البرنامج كان متحاملا جدا على تونس حيث تم تصوير الوضع على أنه كارثي للغاية و أن تونس تحولت
لمعقل للإرهابيين لذلك وجب الحذر عند السفر إليها أو تجنبه أصلا حتى أنك تجد نفسك تتساءل هل ان معدي البرنامج يتحدثون عن تونس أم عن الصومال ؟
و لفهم ما بث في برنامج المبعوث الخاص على القناة الثانية الفرنسية لابد من الوقوف عند بعض الأسباب التي سنفهم من خلالها لماذا يتم تصوير الوضع في تونس بهذا الشكل في الإعلام الفرنسي أولى هذه الأسباب الموقف الذي إتخذته السلطة في تونس بعدم السماح للمقاتلات الفرنسية بإستعمال المجال الجوي التونسي في قصفها للمناطق المالية التي يسيطر عليها الإسلاميون و طبعا ففرنسا المستعمر القديم لم يرق لها هذا الموقف السيادي المعارض لسياستها الخارجية و هي التي كانت تملي علينا قراراتها خلال حقبتي بورقيبة و بن علي كيفما يحلو لها لذلك لم تتأخر الآلة الإعلامية الفرنسية للتحرك و محاولة التشويش على الوضع التونسي الداخلي و ربما الوصول إلى حد إتهام السلطات التونسية بتسهيل مهمة الإرهابيين في مالي على حد زعمها في حين معارضة المجتمع الدولي و تلك التهم الكبيرة التي تعودنا عليها منذ زمان.
ثاني تلك الأسباب التي جعلت جزء الإعلام الفرنسي و من وراءه السلطلة في نقمة دائمة على تونس خسارة حلفاءهم للإنتخابات و مجيء من يعتقدون أنهم يناصبوهم العداء الإيديولوجي و كلنا نتذكر كيف تحرك الإعلام الفرنسي مباشرة بعد صدور نتائج إنتخابات المجلس التأسيسي لإيهام الرأي العام العالمي بحلول المصيبة و الكارثة في تونس و أن خطرا كبيرا يتهدد الدولة و كيانها و ذلك من خلال تخصيص منابر إعلامية مضللة و تقديم معطيات مغالطة للواقع مستغلين في ذلك بعضا من النخب المريضة التي ساهمت في تلك الحملات المنظمة و لعل أبرز الأمثلة سهير بلحسن التي دعت صراحة خلال أحد البرامج التلفزية فرنسا للتدخل العسكري في تونس للإطاحة بالإسلاميين و تسليم الحكم لعلمانيي تونس.
ثالث الأسباب التي تجعل تونس دائما في مرمى نيران الإعلام الفرنسي أن فرنسا بعد أن إنقلبت الأمور في تونس و أطيح بحليفها بن علي لم يعد لها موطئ قدم كبير على هذه الأرض لذلك تجد السلطات الفرنسية و رأس حربتها الإعلام تحارب بكل قواها لإستعادة نفوذها الإستعماري القديم في بلادنا و كلنا نتذكر كيف حاولت السلطات الفرنسية بكل ما أوتيت من قوة منع إنهيار النظام إلى درجة جعلت وزيرة خارجيتها أليو ماري تعرض على المخلوع إرسال الشرطة الفرنسية لقمع الثوّار في تونس و كيف كانت تزود النظام بمختلف أنواع الأسلحة للتصدي للمتظاهرين لكن مع حصول المكروه بالنسبة لفرنسا و سقوط صديقها بن علي لم تجد بدّا من تغيير تكتيكاتها و المرور نحو مرحلة التآمر على الثورة و قد تجلّى ذلك خاصة من خلال المحاولة الفاشلة للإطاحة بالحكومة الشرعية و التي تزعمها أنذاك السفير الفرنسي بوريس بويون و جنّد لها البعض من رجال الأعمال الفاسدين و رجال السياسة الإنتهازيين و كثيرا من بقايا النظام السابقة لكن مع إنكشاف المخطط سارعت السلطات الفرنسية لمداراة الفضيحة حيث عرضت على ألمانيا للتوسط بينها و بين الحكومة للململة الأمور و ذلك من خلال تقديم بعض الإمتيازات للحكومة التونسية كإلغاء ديون تونس لدى ألمانيا و تحويلها لمشاريع في سبيل غض الطرف عما جرى.
طبعا ليس هذا كل شيء ففرنسا التي إستعمرتنا طويلا و قتلت أجدادنا و شردت أباءنا لا نظنها تريد خيرا لنا اليوم رغم أنه في فرنسا هناك العديد من محبي تونس حقيقة لكن تبقى السياسة الرسمية للدولة نقيضة ذلك ففرنسا لابد أن تفهم أن تونس تحررت اليوم و تحرر قرارها لذلك يجب ان تعاملنا على هذا الأساس و ليس على غيره من الأسس كما انه يجب على نخبنا خاصة المتفرنسة منها ان تعي أن تونس لم تعد تونس القديمة التي يأتيها الفرنسي للتمتع بشواطئها و بجمالها بأبخس الأثمان فتونس اليوم هي بيد أبناءها الذين لطالما كانت فرسنا مساندة لجلاديهم لهذا على فرنسا الإعتذار أولا عن فترة الإستعمار و ثانيا مراجعة سياستها تجاهنا حتى يتسنى لنا نسيان الماضي و فتح صفحة جديدة.