استأثر السؤال المتعلق بمصير مطار صفاقس طينة الدولي، ومدى قدرته على استعادة نشاطه بعد سنوات طويلة من الركود والتراجع، باهتمام واسع خلال لقاء تفكير انتظم اليوم السبت بالقطب التكنولوجي بصفاقس تحت شعار: “التطوير الاستراتيجي لمطار صفاقس طينة الدولي: التحديات والآفاق الاستراتيجية”.
وشارك في هذا اللقاء عدد من المستثمرين ونشطاء المجتمع المدني ونواب الجهة بمجلس نواب الشعب، إلى جانب ممثلين عن هياكل إدارية ومهنية وخبراء ومسدي خدمات في قطاع النقل الجوي، حيث تحوّل النقاش إلى مساحة مفتوحة لتشخيص واقع المطار واستشراف سبل إنقاذه.
وأجمع أغلب المتدخلين على أن مطار صفاقس يواجه عراقيل هيكلية عميقة تعيق أي إقلاع حقيقي، مستدلين بالتراجع الحاد في حركة المسافرين التي انخفضت من حوالي 500 ألف مسافر سنويا إلى قرابة 150 ألف فقط، فضلا عن تعطل استغلال محطة شحن البضائع منذ نحو ثلاثين سنة وتقلص عدد الرحلات والخطوط الجوية.
وفي هذا السياق، اعتبر محمد علي العيادي، نائب رئيس جمعية التنمية المستدامة بصفاقس، أن الحديث عن نهوض المطار يبقى رهين توفر إرادة سياسية فعلية لربطه بالمشاريع الاقتصادية الكبرى المعطلة، على غرار مشروع تبرورة والمترو والمنطقة اللوجستية، مؤكدا أن غياب هذه المشاريع حرم المطار من محيط اقتصادي قادر على دعمه وتنشيطه.
من جهته، دعا الأستاذ الجامعي كريم كمون إلى منح المطارات الداخلية امتيازات إضافية في الضرائب المينائية الجوية وربط مطار صفاقس بمطار دولي محوري Hub aéropotuaire على غرار مطار إسطنبول، بما يسمح باستقطاب حركة عبور أكبر ورفع عدد المسافرين إلى حدود 400 ألف سنويا، وهو ما يتطلب توسعة المطار وتحسين الربط الجوي الداخلي.
أما الناشط المدني والنائب السابق شفيق العيادي، فقد اعتبر أن مطار صفاقس “ما يزال مكسور الجناحين”، رغم كل المبادرات التي بذلها أبناء الجهة، محمّلا استراتيجية وزارة النقل مسؤولية تهميش المطارات الجهوية، ومشيرا إلى ضعف الاعتمادات المخصصة لها مقارنة بما يُرصد لمطاري تونس قرطاج والنفيضة.
وفي الاتجاه ذاته، أكد النائب بمجلس نواب الشعب شكري البحري أن قراءة ميزانية وزارة النقل تكشف غياب العدالة بين الجهات، مشيرا إلى أن نصيب صفاقس من المشاريع والاعتمادات لا يعكس مكانتها الاقتصادية ولا حاجياتها التنموية.
كما طرح الطيار السابق محمد المسدي جملة من الإشكاليات الفنية والتجارية التي تعيق تطوير المطار، من بينها عزوف شركات الطيران عن استغلال الخطوط المرتبطة بصفاقس، إضافة إلى الوضعية المعطلة لقسم شحن البضائع.
وفي باب المقترحات، دعا الدكتور عبد الجليل قدورة إلى الاستثمار في السياحة الاستشفائية باعتبارها فرصة واعدة لتنشيط المطار، خاصة مع تزايد إقبال مواطنين من ليبيا ودول إفريقية على العلاج بصفاقس.
من جانبه، شدد المستثمر والوالي السابق فاخر الفخفاخ على ضرورة إحداث شركة طيران جهوية تكون قاطرة حقيقية لإنعاش المطار وضمان استمرارية نشاطه.
كما اعتبر المستثمر فراس الفقي أن تأخر تفعيل اتفاقية “السماء المفتوحة” بدعوى حماية الناقلة الوطنية تسبب في خسارة فرص استثمارية وتنموية كبرى كان يمكن أن تنعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني وعلى المطارات الداخلية.
وفي تفاعله مع مداخلات المشاركين، أوضح المدير العام للطيران المدني بوزارة النقل نضال السويلمي أن عددا من الامتيازات الجبائية الخاصة بالطيران المدني متوفرة بالفعل لفائدة المطارات الداخلية، مؤكدا وجود توجه للعمل المشترك لإيجاد حلول عملية للإشكاليات المطروحة.
أما ممثلة شركة “الخطوط السريعة” ريم جمعة، فقد أكدت استعداد المؤسسة لخدمة مختلف المطارات الداخلية دون تمييز، معتبرة في المقابل أن الخط الجوي صفاقس ـ تونس يواجه صعوبات تتعلق بضعف المردودية التجارية، وهو ما أثار جدلا واسعا بين الحاضرين الذين دعوا إلى إعادة تقييم هذا الخط نظرا لأهميته بالنسبة للمهنيين والمواطنين.
وفي مداخلة بعنوان “رؤية 2035: مركز جوي إقليمي متوسطي وإفريقي”، دعا النائب معز برك الله إلى توحيد جهود مختلف الأطراف لاستغلال الإمكانيات المتاحة وتحويل مطار صفاقس إلى مركز شحن إفريقي وبوابة ذكية ومستدامة نحو جنوب المتوسط.
من جهته، اعتبر ممثل ديوان الطيران المدني والمطارات الحبيب ساسي أن صفاقس تمتلك مقومات النجاح بفضل تنوع أنشطتها الاقتصادية وتعدد أقطابها الصناعية والخدمية، مؤكدا في المقابل أن محدودية أسطول الطائرات تبقى من أبرز التحديات المطروحة، مع التزام الديوان بمواصلة الاستثمار في مطار صفاقس وبقية المطارات الداخلية.
وفي ختام اللقاء، كشفت آمر مطار صفاقس طينة الدولي، سنية قميحة، المحالة حديثا على شرف المهنة، أنه تم الشروع في اقتناء أراض بمحيط المطار في إطار مشروع توسعته بهدف رفع طاقة استيعابه إلى مليون مسافر سنويا، وذلك في انتظار تحسن مؤشرات المردودية الاقتصادية للمطار.
وبين تشخيص واقع صعب وطموحات كبرى معلقة، يبقى السؤال مطروحا: هل تتوفر فعلا الإرادة والخيارات الكفيلة بإعادة مطار صفاقس إلى خارطة النقل الجوي الوطني والإقليمي، أم أن حلم الإقلاع سيظل مؤجلا؟
*محمد سامي الكشو


