في كل مرة تشتعل فيها أزمة قرب مضيق هرمز أو تتصاعد التوترات في مضيق باب المندب، يعود العالم فجأة إلى النظر نحو تلك المساحات الزرقاء الضيقة التي تبدو على الخريطة صغيرة.
لكنها في الواقع تحمل فوق وتحت أمواجها (كابلات الانترنت) جزءًا هائلًا من نبض الاقتصاد العالمي، وحين تمر السفن العملاقة عبر قناة السويس، لا تعبر فقط حاويات وبضائع وناقلات نفط، بل تعبر معها حياة ملايين البشر وأسعار الغذاء والطاقة وحتى استقرار دول بأكملها.
لهذا لم تعد هذه الممرات مجرد نقاط بحرية عادية، بل أصبحت أشبه بـ “مثلث برمودا الجديد” للاقتصاد العالمي؛ ليس لأنه يبتلع السفن كما في الأساطير، بل لأنه قادر على ابتلاع الطمأنينة الاقتصادية للعالم كلما اهتزت إحدى زواياه.
لكن الصورة هنا أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه في نشرات الأخبار، فالعلاقة بين “هرمز” و”باب المندب” و”السويس” ليست علاقة سقوط أحجار دومينو، حيث يؤدي سقوط قطعة واحدة إلى انهيار الجميع. بل نحن أمام شبكة مرنة من التدفقات والمسارات، تتأثر ببعضها أحيانًا، وتتقاسم الأدوار أحيانًا أخرى، بل وقد تعزز إحداها أهمية الأخرى في خضم الأزمات.
فما يخرج من هرمز مثلًا لا يتجه كله نحو باب المندب ثم السويس. جزء كبير من النفط الخليجي يشق طريقه شرقًا عبر المحيط الهندي نحو آسيا، حيث يتركز قطب صناعي متعطش للطاقة يضم الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
بينما يتجه جزء آخر غربًا عبر البحر الأحمر نحو أوروبا والمتوسط. وهنا تظهر الطبيعة الحقيقية لهذا “المثلث”: ترابط جزئي لا مطلق، وتأثير متبادل لا يعني الشلل التام.
إذا تعرض “مضيق هرمز” لاضطراب كبير، فإن العالم لا يتوقف فجأة، لكنه يبدأ في إعادة ترتيب حركته بسرعة حيث أن بعض التدفقات النفطية قد تتراجع، لكن في المقابل قد ترتفع أهمية المسارات البديلة، مثل خط أنابيب شرق – غرب السعودي الذي يسمح بنقل جزء من النفط السعودي نحو البحر الأحمر دون المرور الكامل عبر هرمز.
وهنا قد تتحول الأزمة نفسها إلى عامل يعزز دور باب المندب والسويس بدل أن يضعفهما.
أما إذا اهتز “باب المندب”، فإن القلق العالمي لا يرتبط فقط بالنفط، بل بزمن التجارة نفسه، فالسفن التي تضطر للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح لا تخسر الوقت والوقود فقط، بل ترفع أيضًا كلفة التأمين وأسعار السلع.
والعالم الحديث يخاف من الوقت بقدر خوفه من الانقطاع، لأن أي تأخير طويل يعني تضخمًا جديدًا وضغطًا إضافيًا على الأسواق والمستهلكين، ومع ذلك، تبقى أهمية الممرات الأخرى قائمة رغم كل الاضطرابات.
“قناة السويس” بدورها ليست مجرد ممر يختصر المسافات بين البحار، بل شريان يختصر الزمن نفسه. فكل يوم إضافي تقضيه السفن في البحر يعني تكلفة أعلى على الشركات، وأسعارًا أعلى على الناس، وضغطًا أكبر على الاقتصاد العالمي الذي أصبح يتحرك بسرعة هائلة لا تحتمل التعطيل الطويل.
وما يميز القناة المصرية، أنها قادرة على الحفاظ على الربط بين البحرين الأحمر والمتوسط حتى في حال تعطل الممرين الآخرين.
لكن أكثر ما يميز هذا “المثلث” الرهيب أن أهميته ليست ثابتة، فكل أزمة تعيد توزيع الأدوار داخله، أحيانًا ترتفع قيمة أحد الممرات بسبب اضطراب الآخر، وأحيانًا تدفع المخاطر الدول الكبرى إلى البحث عن بدائل جديدة:
– خطوط أنابيب
– موانئ عملاقة
– ممرات برية
– سكك حديدية
– وحتى طرق بحرية قطبية قد يفتحها ذوبان الجليد مستقبلا
العالم اليوم لا يبحث فقط عن حماية هذه الممرات، بل عن تقليل الاعتماد على أي نقطة اختناق واحدة. ومع ذلك، تبقى الحقيقة واضحة: لا تزال هذه العقد الثلاث تتحكم في جزء مهم من حركة الطاقة والتجارة العالمية، حتى وإن تغيرت طرق الالتفاف من حولها.
قد لا يرى الإنسان العادي كل هذه الخرائط المعقدة، لكنه يشعر بنتائجها مباشرة في سعر الوقود، وفي تكلفة الغذاء، وفي التضخم الذي يزحف بهدوء إلى الحياة اليومية، فحين تضطرب هذه الممرات، لا تهتز السفن وحدها، بل يهتز معها إيقاع عالم كامل ما زال يعتمد، أكثر مما يعتقد، على تلك المساحات الضيقة الممتدة بين الخليج والبحر الأحمر والمتوسط.
محمد معاذ شارد : متخصّص في إدارة الأعمال وسلاسل الإمداد

