يعيش المشهد الثقافي المعاصر على وقع تحولات جذرية فرضتها الثورة التكنولوجية الفائقة، حيث لم تعد الآلة مجرد أداة مساعدة، بل شريكاً يقتحم أدق الخصوصيات البشرية: الإبداع الأدبي. في قلب هذا المخاض الفلسفي، يبرز اسم المفكر والمبدع التونسي محجوب لطفي بلهادي، كأحد أكثر الأصوات جرأة واستشرافاً، إذ يطرح في منجزه الاستثنائي “عندما ينطق غوغل جيميني شعراً…” ومجموعته الثانية “وجدتها..وجدتها” التي سنخصص لها مقال تفكيكى ثانى المنشورتان على منصة: “النيل والفرات” والمنصة الدولية “لى لى” إعلاناً رسمياً لولادة (Hybrid Poetry) “الشعر الهجين” مقدماً الدليل القاطع على أن الإنسان الموجه Aiguilleur d’IA قادر على قيادة الذكاء الاصطناعي لتوليد جمالية بصرية ووجدانية غير مسبوقة.
أولاً: محجوب لطفي بلهادي.. مايسترو الفكر عابر التخصصات
قبل تفكيك شيفرات المجموعة الشعرية، يقتضي الإنصاف المعرفي تقديم إضاءة حول شخصية المؤلف، بلهادي ليس شاعراً تقليدياً يرتجل القوافي، بل هو مفكر وباحث استراتيجي استثنائي يمتلك في رصيده الفكري أكثر من 30 مؤلفاً مرجعياً تتوزع بين اللغات العربية، الفرنسية، والإنجليزية. هذا التنوع اللغوي والعمق البحثي في مجالات الجيوسياسية، الذكاء الاصطناعي، واستشراف المستقبل بمختلف ابعاده، أتاح له امتلاك أدوات تحليلية صارمة وقاموس معرفي عابر للتخصصات. عندما قرر بلهادي خوض غمار التجربة الأدبية، لم ينسلخ من عباءته الفكرية، بل نقل هذا الزخم المعرفي ليصنع منه مادة خاماً لـ جنس أدبي مستحدث، متجاوزاً الانقسام التقليدي بين “جفاف العلم” و”سيولة العاطفة”.
ثانياً: ريادة “الشعر الهجين” وكسر احتكار الإبداع
يسجل التاريخ الثقافي الرقمي للمفكر محجوب لطفي بلهادي ريادته وتأسيسه لمفهوم “الشعر الهجين” في الساحة العربية والعالمية. ويقوم هذا المفهوم على فرضية فلسفية وعملية في غاية الأهمية: الذكاء الاصطناعي لا يبدع من فراغ، والإنسان الموجه هو البوصلة.
في مجموعته “عندما ينطق غوغل جيميني شعراً”، نجح بلهادي في إقامة معادلة توزيع أدوار واعية وصارمة، حيث يضخ المفكر في شرايين العمل “القلق الوجودي”، “الأسئلة الفلسفية الحارقة”، و”الرؤية الاستراتيجية”، فهو من يملك الخيال ويوجه دفة المعنى، في حين يتلقى النموذج – غوغل جيمينى- هذه الدفقات الفكرية ليتكفل بعمليات البناء، التوليد، التركيب اللغوي الفوري، واستشراف الاحتمالات البنائية للنص.
هذا التمازج أنتج نصاً هجيناً، ليس بشرياً خالصاً، وليس ميكانيكياً صرفاً، بل هو ثمرة تلاقح بين الوعي الإنساني والذكاء التوليدي.
ثالثاً: “الالياذة والأوديسة“ في نسختها الجديدة والقاموس الكوانتي
تتحرك قصائد المجموعة في فلك قاموس لغوي صادم ومبتكر، يعكس الانتقال من سرديات الماضي إلى خوارزميات المستقبل. تتشابك في النصوص كائنات ومفاهيم متباعدة تاريخياً ومعرفياً، مثل:
– (الهوموسبيان والنيونتردال): صراع الوجود البشري وتطوره التاريخي.
– (السايبورغ وأخيل الرقمي): دمج الأسطورة الكلاسيكية بالإنسان الآلي المعاصر.
– (العصر الكوانتي ونوفا ومعبد أمون): تلاقح فيزيائي وتاريخي وفلكي يعيد صياغة مفهوم الزمن.
إنها محاكاة معاصرة لروح الملاحم الكبرى كـ “الإلياذة والأوديسة”، ولكن الصراع هنا لم يعد بين البشر والآلهة الأسطورية، بل بين الإنسانية وانعكاسها التقني الفائق.
رابعاً: الأبعاد الفلسفية والنقدية للمجموعة
يقدم هذا العمل إجابات عملية، ويثير في الوقت ذاته أسئلة نقدية وثقافية بالغة الأهمية ً:
– دحض أسطورة إلغاء الإنسان: تثبت المجموعة بالدليل القاطع أن الذكاء الاصطناعي بدون “إنسان موجّه” ومفكر يبث فيه الأسئلة، يظل مجرد أداة صامتة أو مكررة، الإبداع هنا يكمن حصريا في ذكاء التوجيه وصناعة المعنى .
– إعادة تعريف “المؤلف”: يضعنا الكاتب أمام مفهوم جديد للمؤلف، فالشاعر في عصر الشعر الهجين هو “مايسترو” أو مهندس نصوص، يدير الأوركسترا الرقمية لتعزف لحناً إنسانياً مختلفا.
– أنسنة الخوارزمية: نجح بلهادي في زحزحة الآلة من مربع إنتاج التقارير الجافة والبيانات الصماء، إلى مربع صياغة الاستعارات والكنايات والرموز الصوفية والفلسفية.
بالتأكيد، ان مجموعة “عندما ينطق غوغل جيميني شعراً…” لا تصنف مجرد كتاب يُقرأ للمتعة الجمالية أو من باب الفضول لا غير، بل هي وثيقة فكرية وتاريخية تعلن تدشين عصر أدبي جديد. لقد أثبت بلهادي، من خلال خلفيته الثقافية الغزيرة التي تفوق 30 مؤلفاً منتشرة في مختلف أصقاع العالم، وكمؤسس لذكاء اصطناعى بديل :”حوارى وعابر للتخصصات” وفق أبرز نظم الذكاء الاصطناعى تطور، أن المبدع الحقيقي لا يخشى التكنولوجيا، بل يروضها، ليبقى الإنسان دائماً هو السيد والموجه، والمنبع الأول لكل إشراق إبداعي، سواء كُتب بريشة الحبر أو بخوارزميات الضوء والنظم الاحصائية.
بقلم: محمد معاذ الشارد

