في السادس والعشرين من أكتوبر من كل عام، تحتفي سلطنة عُمان بيوم الشباب العُماني، في مناسبة وطنية تجدد التأكيد على مكانة الشباب في مسيرة النهضة المتجددة، ودورهم في صون المكتسبات الوطنية والإسهام في بناء المستقبل، فالتنمية المستدامة لا تقوم على الموارد والإمكانيات وحدها، بل تستند أساسًا إلى الإنسان، وما يمتلكه من معرفة وقدرة على المبادرة وتحمل المسؤولية.
وتأتي المناسبة هذا العام بالتزامن مع تنفيذ خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026–2030)، التي تمثل مرحلة جديدة في ترجمة مستهدفات «رؤية عُمان 2040» إلى برامج وأولويات تنموية، وتؤكد هذه المرحلة أهمية الاستثمار في الطاقات الوطنية، وتعزيز كفاءة سوق العمل، وتنويع الاقتصاد، وتوسيع المجالات التي تتيح للشباب المشاركة الفاعلة في التنمية، لا سيما في قطاعات الاقتصاد الرقمي والابتكار التقني ، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تقود قاطرة النمو العالمي حاليا.
وقد استند إعداد «رؤية عُمان 2040» إلى نهج تشاركي واسع، تجاوز عدد المشاركين فيه 41 ألفًا من مختلف فئات المجتمع، من بينهم الشباب وطلبة المدارس والجامعات، ويعكس هذا النهج إدراكًا لأهمية إشراك المجتمع في تحديد الأولويات الوطنية، وأن بناء المستقبل يكون أكثر استدامة حين يستوعب تطلعات الأجيال المعنية به.
وفي عام 2026، اكتسبت جهود دعم المواطنين بُعدًا عمليًا من خلال الأوامر السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، فقد وُجّه بتسريع تنفيذ برنامج توظيف الباحثين عن عمل، الذي يتضمن توفير 60 ألف فرصة وظيفية، منها 10 آلاف فرصة في القطاع الحكومي المدني والعسكري، و50 ألف فرصة في الشركات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص.
كما شملت الأوامر السامية تخصيص 50 مليون ريال عُماني للمشروعات ذات العائد الاقتصادي والاستثماري التي تسهم في توفير فرص عمل للمواطنين، من خلال رفع مخصصات برنامج تنمية المحافظات ضمن خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة من 220 مليون ريال إلى 270 مليون ريال. وشملت كذلك تخصيص 100 مليون ريال عُماني لدعم برنامج الإسكان الاجتماعي لعامي 2026 و2027، تأكيداً على توفير الاستقرار الأسري والاجتماعي للشباب في مقتبل حياتهم المهنية، وتمديد صرف بدل الأمان الوظيفي لمدة سنة للمستحقين وفق الضوابط المعتمدة.
وتنسجم هذه الإجراءات مع مستهدفات الخطة الخمسية الحادية عشرة، التي يُتوقع أن توفر نحو 300 ألف فرصة عمل للعُمانيين في القطاعين العام والخاص خلال الفترة 2026–2030، ولا تقتصر أهمية هذه المستهدفات على أعداد الفرص الوظيفية، بل تمتد إلى ضرورة تعزيز المواءمة بين التعليم والتدريب واحتياجات الاقتصاد، وتهيئة بيئة تشجع الابتكار وريادة الأعمال، وإعادة صياغة المساهمات لتلاءم متطلبات الوظائف المستحدثة، مما يتيح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يقودها الشباب الريادة في السوق المحلية والإقليمية وتوظيف قدراتهم في مختلف القطاعات والمحافظات.
وعلى الصعيد المؤسسي، يمثل إنشاء مركز الشباب بموجب المرسوم السلطاني رقم 38/2026 خطوة لتعزيز منظومة العمل الشبابي في عُمان. إذ تشمل اختصاصاته الإسهام في تأهيل القيادات الشابة، وتطوير مهارات المستقبل الرقمية والقيادية الحديثة، واكتشاف المواهب، وتنمية الإبداع والابتكار وحاضنات الأعمال، وتوسيع قنوات التواصل مع الشباب والاستماع إلى آرائهم عند إعداد السياسات والبرامج. ويتكامل ذلك مع الجهود المتواصلة لإعداد الاستراتيجية الوطنية للشباب 2040، بما يدعم التخطيط بعيد المدى لقضايا الشباب وتطلعاتهم.
ومن موقعي سفيرًا لسلطنة عُمان لدى الجمهورية التونسية الشقيقة، أرى في التعاون الشبابي مجالًا واعدًا لتعميق العلاقات بين البلدين من خلال تفعيل “الدبلوماسية الشبابية” كأداة لبناء الجسور، وقد مثّلت مشاركة شباب من تونس في معسكر «مُستعد الدولي» الذي استضافته سلطنة عُمان في سبتمبر 2026 نموذجًا عمليًا للتواصل وتبادل الخبرات، وتنمية مهارات القيادة والعمل الجماعي والتواصل وحل المشكلات. ومثل هذه المبادرات تفتح المجال أمام تعاون أوسع في المعرفة والثقافة والابتكار، وتمنح الشباب فرصًا للتعارف وبناء شراكات تتجاوز الحدود الجغرافية.
إن الرهان على الشباب هو رهان على قدرة الأوطان على مواصلة التقدم بثقة واستدامة، ويتطلب ذلك أن تقترن السياسات بالفرص، وأن تتحول الطموحات إلى مسارات عمل واضحة، وأن يجد الشباب مساحة حقيقية للمشاركة والمبادرة وتحمل المسؤولية. وفي يوم الشباب العُماني، تتجدد القناعة بأن الشباب ليسوا مجرد عنوان للمستقبل، بل شركاء في مسؤوليات الحاضر وصناعة الغد، ومن خلال مواصلة الاستثمار في الإنسان وتعزيز التعاون بين سلطنة عُمان وتونس، يمكن توسيع آفاق العمل العربي المشترك، وتحويل طاقات الشباب إلى إنجازات تسهم في ازدهار الأوطان واستقرارها.



