تحوّل ركح مهرجان بنزرت الدولي، مساء الأحد 9 أوت 2026، إلى فضاء موسيقي تشاركي جمع الفنان المغربي أمين بودشارت بجمهور المهرجان في تجربة تجاوزت حدود الحفل التقليدي، حيث لم يكن الجمهور مجرد متلقٍ، بل أصبح جزءًا أساسيًا من العرض وصنع مع الفنان تفاصيل السهرة لحظة بلحظة.
وجاءت سهرة بودشارت ضمن فعاليات الدورة الثالثة والأربعين لمهرجان بنزرت الدولي، في إطار جولته الفنية التي قادته خلال الفترة الأخيرة إلى عدد من المهرجانات والمسارح العربية والدولية. وقد حمل العرض إلى الجمهور التونسي المشروع الموسيقي الذي اشتهر به الفنان المغربي، والقائم على التفاعل المباشر والغناء الجماعي وكسر الحاجز التقليدي بين الفنان والمتفرج.
وتقوم تجربة أمين بودشارت على تحويل الحفل إلى مساحة مفتوحة للمشاركة، إذ يصبح الجمهور شريكًا في الأداء من خلال ترديد الأغاني والمشاركة في لحظاتها الجماعية. وهي الفكرة التي رافقت مشروعه منذ انطلاقته سنة 2022، قبل أن تتوسع وتنتشر على نطاق واسع، خصوصًا بعد الانتشار الكبير لمقاطع الأداء الجماعي لأغنية «جانا الهوى» في ملعب محمد الخامس بالدار البيضاء.
وفي بنزرت، واصل بودشارت تقديم هذه التجربة أمام الجمهور التونسي، مستندًا إلى علاقة خاصة نسجها مع تونس خلال السنوات الماضية. فالفنان المغربي يحظى بحضور متواصل في المشهد الفني التونسي، كما يضم مشروعه الموسيقي عددًا من الموسيقيين التونسيين الذين يرافقونه في عروضه وجولاته، بما يعكس طبيعة المشروع المنفتحة على التعاون والتبادل الفني بين البلدان العربية.
ولم تقتصر هوية العرض على الموسيقى التشاركية، بل قام البرنامج على تنوع في الاختيارات الموسيقية، جامعًا بين التراث التونسي وكلاسيكيات الأغنية العربية وأعمال عالمية أعيد تقديمها برؤية موسيقية معاصرة، إلى جانب مؤلفات خاصة ببودشارت. وهو تنوع منح السهرة أبعادًا موسيقية مختلفة، وجعل الجمهور ينتقل بين أنماط وأجيال متعددة من الأغنية.
وتكتسب مشاركة بودشارت في بنزرت أهمية إضافية بالنظر إلى المكانة التي أصبحت تحتلها تونس ضمن مساره الفني. فبعد مشاركاته في عدد من المحطات العربية والدولية، من بينها مهرجانات ومواعيد فنية في المغرب والأردن والسعودية، جاءت سهرة بنزرت لتؤكد اتساع دائرة انتشار مشروعه الموسيقي خارج المغرب.
ومن السمات التي تميز تجربة أمين بودشارت أيضًا اهتمامه بالمواهب الشابة، إذ يحرص خلال عروضه على منح مساحة لمواهب في الغناء والعزف والرقص، وإشراكها في أجواء الحفل أمام الجمهور، في محاولة لفتح المجال أمام طاقات جديدة واكتشاف أسماء قد تجد في هذه التجربة خطوة أولى نحو مسار فني أوسع.
وتأتي سهرة بنزرت في وقت يواصل فيه بودشارت جولته الدولية التي تشمل عددًا من المدن الأوروبية والكندية والعربية، في مسار يعكس الانتشار المتزايد لتجربته الفنية، القائمة بالأساس على تحويل الحفل من عرض أحادي الاتجاه إلى تجربة جماعية يتقاسم فيها الفنان والجمهور لحظة الموسيقى.
وهكذا، لم يكن موعد أمين بودشارت في مهرجان بنزرت مجرد سهرة موسيقية أخرى ضمن برمجة المهرجان، بل محطة جديدة في مشروع فني يراهن على الجمهور باعتباره شريكًا في صناعة العرض. وبين الموسيقى والغناء الجماعي والتفاعل المباشر، حاول بودشارت أن يجعل من ركح بنزرت فضاءً يلتقي فيه الفنان بجمهوره بعيدًا عن الحواجز التقليدية، لتصبح الموسيقى تجربة جماعية يعيشها الحاضرون ويشاركون في صناعتها.

