نستضيف في هذا الحوار الاعلامي التونسي المقيم بقطر محمد عمار وهو خبير إقتصادي ومحلل بشبكة سي آن بي سي ، تطرقنا معه الى الوضع الإقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد والى الاستراتيجية الجديدة التي وضعتها حكومة الجبالي ، الى جانب مواضيع أخرى . تابعوا الحوار ..
الحصري: هناك من يؤكد أن مستقبل العلاقات الإقتصادية لتونس ستكون مع بلدان شرق أسيا والصين و روسيا في ضل الصعوبات الإقتصادية التي تعاني منها بلدان أوروبا .. ما مدى صحة ذلك ؟
محمد عمار : لا أحد ينكر قوة الإقتصاد الروسي والصيني و أن الأنظار موجهة للشرق ، وعندما نقول الشرق نقول أسيا بما فيها بلدان الجنوب ومنطقة الخليج . ولكن بالنسبة لتونس لم تكن لها علاقات روسيا ، فمع طبيعة المبادلات التي تهم روسيا مثلا هي مبادلات من الحجم الثقيل كالغاز و النفط ، لهذا روسيا لا تهمها العلاقات الإقتصادية مع تونس لاسباب ربما تعود الى علاقات الرئيس السابق بن علي منذ كان سفيرا في بولندا. ولكن بإمكاننا أن نراهن على علاقاتنا بمنطقة الخليج من التفاوض بندية في مشاريع محددة يمكنها ان توفر فرص عمل للتونسيين و تعود بعوائد مجزية على المستثمر الخليجي كمصانع السيارات و الاسمنت و الرخام و الصناعات الغذائية هذا بالاضافة الى الادوات الاستثمارية التقليدية مثل الاستثمارات في المحفظة والعقارات و التي من خلالها يمكن ادخال العملة الصعبة التي ستساعد على الظرف الصعب الذي تمر به البلاد . أما من يراهن على أن مستقبل الإقتصاد سيرتكز مع الصين فهو خاطىء أو ربما يقصد تلك الفترة التي أغرق فيها الطرابلسية الأسواق التونسية بالسلع الصينية الرخيصة ، لكن الواقع كشف أن تلك الفترة أضرت بنا و بشركاتنا التونسية المتخصصة بالصناعات المحلية كالنسيج والجلد وغيرهما .
الحصري: هل تعتقد أن التغيير الذي شهدته السياسة الخارجية التونسية له علاقة بآفاق الاستثمار مع بلدان الخليج ؟
محمد عمار : لم يكن لتونس أصلا مواقف ديبلوماسية تذكر في عهد الرئيس السابق حيث كانت تلتزم الصمت تارة ،و تتبع رأي القوى الكبر في العالم العربي (السعودية و مصر) تارة اخرى، لهذا فوجئنا بهذه القرارات غير المسبوقة من الحكومة الحالية ، ولكن حتى و إن كانت المواقف الديبلوماسية التونسية تغازل دولة معينة أو طرفا خارجيا دون أخر فهذه هي لعبة الديبلوماسية و قانون العلاقات الخارجية لما في ذلك إمكانية الحصول على منافع إقتصادية ،ومع ذلك لا زلنا ننتظر نتائج هذه القرارات،و اعتبر ضمان اميركا لتونس فيما يتعلق بطرح السندات الحكومية في السوق العالمي واحدة من هذه النتائج .
الحصري: كيف تحلل التوجهات الديبلوماسية التونسية الحالية ؟
محمد عمار : واضح أن التوجهات الحالية لدبلوماسية المرزوقي و الجبالي متجهة نحو دول الجنوب و منها دول الخليج و دول المغرب العربي و بعض الدول الأوروبية الكبرى كألمانيا إضافة للولايات المتحدة الأمريكية ، حيث استغلت الحكومة الصدى الطيب للثورة التونسية في جميع أنحاء العالم ، و عموما يمكن القول ان التوجهات الحالية جيدة في انتظار ما ستفضي إليه هذه التحركات من إنجازات على أرض الواقع .
الحصري : لماذا إذا كل هذه الإنتقادات العنيفة للسياسة الحكومة الحالية ؟
محمد عمار : هذا أمر عادي جدا فنحن علي أبواب إنتخابات جديدة ، و المنافسة تشتد بين المعارضة و الترويكا و الكل يحاول ضرب شعبية الترويكا، و لكن في رأيي أن الحزب الوحيد المنظم ميدانيا إلي حد الأن هو حركة النهضة ، في انتظار ما ستسفر عنه التحالفات التي تتشكل بين مختلف جبهات المعارضة . وعموما فهذا التناحر أعتبره إيجابيا جدا في هذه المرحلة التي نؤسس فيها لدستور جديد يجب أن يمثل كل الشعب التونسي و ليس طائفة منه فقط ،كما اعتقد ان الانتخابات القادمة سيحسمها موقف الترويكا الواضح من ظاهرة السلفية ،انتخابات الطلبة بروفة مصغرة لما قد يحصل.
الحصري :الفكر البورقيبي طفى مجددا على سطح الأحداث بعد تغييب في عهد الرئيس المخلوع ، إلى أي مدى يمكن لهذا الفكر النجاح ؟
محمد عمار :الفكر البورقيبي عاد بقوة مع الباجي قائد السبسي الذي يتمتع بدهاء سياسي كبير ، فالسبسي هو رجل سياسة محنك و رجل أمن بإمتياز أنقذ البلاد من إنزلاقات خطيرة في فترة حكمه ، في المقابل قام بعرقلة الحكومة الحالية وتلغيم الطريق أمامها من خلال الوعود والترقيات والزيادات في الأجور التي سمح بها خلال توليه السلطة . كما قام بزرع مسؤولين موالين له على رأس الإدارات التونسية و هذا ما سيعطل بدرجة كبيرة عمل الحكومة الحالية .
الحصري : أنت إنتقدت الباجي قائد السبسي فقط ، و لكن الكل يعلم أنه توجد في تونس حكومة ظل هي التي تعرقل عمل الحكومة الحالية؟
محمد عمار : لا أحد ينكر وجود حكومة ظل ، بل أنا أقر بوجود حكومات ضل ، فعندما نتحدث مثلا عن الباجي قائد السبسي و ما قام به إبتداء من البيان الذي أصدره مرورا بظهوره في القنوات التلفزية الموالية له بشكل مريب ،عندها نتساءل عن غايته من ذلك وهو الذي لا يحتل أي وظيفة وزارية أو إدارية في الدولة . من جهة ثانية نلاحظ أن ما يقوم به راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة من إستقبال للوزراء و زيارات إلي الدول أين يتحدث باسم الحكومة التونسية ، ثم لا أحد ينكر التحركات التي يقودها بعض رجال الإقتصاد في تونس وتحريكهم للعبة السياسية، وهذا أمر طبيعي بما أن الإقتصاد هو الذي يحرك السياسية وليس العكس .
الحصري : ما هي الوصفة السحرية لتفادي الوضع الإقتصادي الدقيق الذي تمر به البلاد؟
محمد عمار : لا وجود لوصفة سحرية ، بل لابد من تظافر كل الجهود ، وخاصة التخلي عن الإعتصامات و المطلبية المشطة ، يجب على الشعب التونسي التعقل نوعا ما في هذه المرحلة
وبالتوازي مع ذلك على الإتحاد العام التونسي للشغل تحمل مسؤولياته و التفطن إلى دوره المركزي في هذه المرحلة ،و ليس استغلاله للمساومة حتى لا يتم محاسبة رموزه الفاسدين .
من جهة أخرى على الحكومة ترجمة هذه الوعود على أرض الواقع ،رغم ان ما قدمته من برامج خلال الحملة الانتخابية الاخيرة لا يمت بصلة بارض الواقع.. هنا يجب القول أن الأزمة الاقتصادية الحالية ليست تونسية بحتة بل هي أزمة مترامية الأطراف بدءا من أوروبا الشريك الاقتصادي الاول لتونس. هنا نشدد على نقطة هامة ، على الحكومة الحالية الخروج من جلباب الحزب و ازدواجية الخطاب ، و التصرف كحكومة دولة ، فمما لاحظت خلال زيارتي الأخيرة لتونس أن الحكومة تشتغل داخل أحزابها و هذا خطأ كبير إذ أنه على الحكومة العمل باستقلالية.
حاورته : يسرى الميلي
