في إطار الدورة 19 لأيام السنيما الأوروبية، عرض البارحة الفيلم الوثائقي ” تحرير” للمخرج ستيفانو سفونا و مدّته ساعة و نصف. و هو فيلم يتحدّث عن أبرزاللحظات التي عاشها المصريون زمن الثورة، غير أن ما ممره المخرج من صور و قصص تثير الاستغراب.
فلئن شاهدنا في الأفلام الوثائقية التونسية التي تناولت الثورة اتحاد التونسيين حول مبدأ واحد و هو إسقاط النظام الدكتاتوري رغم اختلافاتهم و توجهاتهم، فإن مخرج فيلم “التحرير” نقل صورة مغايرة للشعب المصري. حيث بدى لنا أن الإخوان المسلمون هم من قاموا بالثورة بعد أن سيطروا على ميدان التحرير، حتى أن كل النساء التي برزت في الفيلم ترتدي الحجاب. و غاب بالتالي في هذا الفيلم المتظاهرون الشيوعيون و التقديميون و المسيح و اليهود رغم أن مصر تجمع كل التيارات السياسية و الديانات.
من ناحية أخرى، أثناء الثورة التونسية لم يفكر المتظاهرون التونسيون إلا في حاضرهم دون التفكير في النظام الذي سيلحق النظام الدكتاتوري في حين برز في فيلم التحرير كيف يتساءل و يناقش المتظاهرون المصريون أثناء الثورة مستقبلهم و إن كان تطبيق الشريعة هو الحلّ.
تبقى الصور التي مررها لنا المخرج شاهد على تاريخ عظيم، لكن للسائل أن يتساءل إن كان ذلك هو حقا تاريخ الثورة المصرية لاسيما و أن تمويل هذا الفيلم هو تمويل أجنبي. و نحن ندرك جميعا أن الثورات حين اندلعت في العالم العربي لم تكن لها في بدايتها أي خلفية سياسية أو دينية بل ان شعب أي دولة اتحدّ رغم اختلافه لإسقاط نظام ديكتاتوري. هذا الفيلم جعلنا نظن أن ميدان التحرير كان ميدان الإسلاميين فقط و هو عكس ما يرويه شهود مصريون.
الحقيقة الوحيدة التي أظهرها المخرج في فيلمه هي غرور المصريين، فعندما كانت الناس تقتل و تجرح، كان المتظاهرون يصيحون في الميدان ” المصريين أهم أهم”، متناسين أن أول ثورة في العالم العربي ضدّ الديكتاتورية هي الثورة التونسية. و كل شعوب العالم العربي تدرك غرور المصريين بعد أن جعلوا مصر تلقب “بأم الدنيا”.
إن ثورات العالم العربي في حاجة شديدة إلى التوثيق حتّى لا يتمّ تزييف التاريخ. و المخرج أو المصور هو الذي يتحكم في عدسة الكاميرا و يقدّم ما يريده في حين يتحكم الكاتب في قلمه. لذلك لابدّ من مخرجي و كتابي هذه الدول أن يوثقوا تاريخ بلدانهم عوض عن أن تقوم به أطراف دخيلة تشتغل لأجندات أجنبية.
نهى بلعيد
