الحصري – مقال رأي
بقلم : الناصر الرقيق
بعد تعبئة الجماهير و الوعود بالوفاء للثورة و الدماء…و بعد ” تفليم ” لبرهة من الزمن خُدِعْنَا فيها بخطاب ثوري خلنا مردّديه ثوّارا إمتطوا صهوة جيادهم و أمْتشقوا سيوفهم و رماحهم دفاعا عن ثورتنا…بانت لنا الحقيقة عارية مُجَرّدَة من كلّ ذلك الصراخ و الضجيج الذي كان يواري سَوْءَةَ عدد من سِيَاسِيّ المفاهمات تحت الطاولة…فقانون العزل أو الإقصاء أو تحصين الثورة الذي خرجت من أجله ” إكبس ” التي خطب فيها نخبة من الصقور أنذاك حسب مفاهيم ما قبل المفاهمة فَضَحَ آخر الصفقات التي تمّ ترتيبها بين الكبار…النهضة و النداء…لتقاسم كعكعة السلطة في المرحلة القادمة مع رمي الفتات منها لتلك ” الحُزَيْبَاتْ ” و ” الباش منظّمات ” التي ستبارك توافق ” الكبارات ” سرّا و علنا…فالنهضة أو الحزب الأغلبي كما يراه أتباعه ” باع الطرح ” و قَبِلَ الشقّ المتبنّي فيه لنظريّة السلم الثوري بعودة أزلام النظام في تنكّر واضح لمطالب الثورة و كذلك لمبادئ النهضة نفسها التي كانت فكرة تشكّلها منذ البداية فكرة ثوريّة تقوم على مقارعة الطغيان و محاربة الإستبداد لذلك آمن جيل بأكمله بهذه الفكرة و نزل طالبا للحريّة محاربا لنظامي بورقيبة و بن عليّ و حجم تضحيات ذلك الجيل يعرفها معظم الشعب التونسي…لكن ما لا يُفْهَمْ كيف يُصَوّتُ ضحيّة لعودة جلاّده…منطق ضدّ الطبيعة البشريّة…و كيف يتمّ التنازل على حقوق مسلوبة بكلّ تلك السهولة فقد يكون مع قادة النهضة حقّ لو تنازلوا عن حقوقهم الشخصيّة فذلك شأنهم لكن أن يتنازلوا عمّا لا يخصّهم أو بالأحرى ما أْتُمِنُوا عليه فهنا يُطْرَحُ ألف سؤال…هناك تيّار عامّ يسود النهضة و خاصّة البعض من أنصارها يمكن تسميته بالتيّار التبريري أيّ الذي يجد لكلّ قرارات الحركة تبريرا ما…حيث يحاول هؤلاء إقناع الرأي العام بأنّ النهضة و قادتها يمارسون السياسة ” لله في سبيل الله ” بحثا عن الأجر في الآخرة و بناء عليه فكلّ قراراتها تكون في مصلحة تونس و شعبها و أنهم هم الوحيدين الذي فهموا الواقع و يحسنون تقدير المصلحة العامّة ممّا ساهم في إحباطهم لعديد المؤامرات التي تعرّضت لها تونس و أستهدفت تقويض التجربة الديمقراطيّة الناشئة…ما يجب أن تعلمه النهضة أنّ إنتصارها في الإنتخابات الفارطة و مساندة قطاعات واسعة من الشباب الثوري لها كان لسبب واحد حيث إعتقد الجميع أنّها الأقدر على الثأر لدماء الشهداء و القصاص من قتلتهم خاصّة و أنّها إكتوت بنار الإستبداد و بينها و بينه دم…لكن يبدو أنّ الدماء آخر ما أصبحت تُحَرّك نخوة الإنتصار للحقّ في نفوس طابت لها كراسي باردو و القصبة و حتّى مونبليزير قد تكفيها…أمّا نداء تونس بما يُمَثّلُه من ثِقَلِ الدولة العميقة فقد سعى قادته بكلّ جهودهم للتسوية مع النهضة رغم العداء في الظاهر لأنّهم يعلمون يقينا أن للنهضة قواعد صلبة يمكن أن تشوّش عليهم في حال تمّ التصادم و إقصاؤها كما حصل في التسعينات في حين أنّ الدولة العميقة و ممثّلها الرسمي نداء تونس في أمسّ الحاجة لإستقرار يعيد الأمور لحال ما قبل 14 جانفي و بالتالي العودة للتحكّم في رقاب خلق الله و لو بآليّات ديمقراطية تستجيب لمعايير كلّ الحقوق ما عادا حقوق ضحايا العهد البائد و شهداء و جرحى الثورة…نداء تونس العدوّ الرئيسي لثورة الشعب التونسي و حزب الثورة المضادّة بكلّ معنى الكلمة نجح في فرض أجندته على حركة النهضة كما نجح في إدخالها لبيت الطّاعة بُطُرقٍ لم نعلم منها الكثير لكن أهمّها ما تسرّب عن تلك ” الدوسيات ” التي قيل أنّ النداء يُمْسِكُها ضدّ النهضة…لنعد للتصويت حيث بدا المشهد سرياليا لأبعد الحدود…النهضة العدوّ المفترض لبقايا المخلوع صوّتت ضدّ العزل…الحزب الجمهوري حليف النداء في الإتحاد من أجل تونس صوّت بنعم للعزل…طبعا لا يذهبنّ في ظنّكم أن جماعة الجمهوري تحرّكت قلوبهم غيرة على ثورة شارفت على الضياع فمن إرتمى في أحضان النظام البائد منذ 13 جانفي لا يمكن أن نُسَلّمَ بصفاء سريرته لأنّ الأمر بسيط للغاية العزل يعني إقصاء السبسي و إقصاء السبسي يعني فتح الطريق أمام نجيب الشابي…هكذا يعتقدون مثلهم مثل تكتّل مصطفى بن جعفر و جبهة حمّة الهمّامي…كلّهم يفكّرون بمنطق الغنيمة لذلك أضاعوا الثورة و ضيّعوا أحلام الشعب في حياة أفضل و إلاّ كيف سمحوا بأن تحكمنا حكومة بجنسيّة مزدوجة و بوجوه لا تشبهنا و في أحيان كثيرة لا تتكلّم إلاّ ” بالفُغُنْسَايْ “…لن نصدّقهم ثانية و لن نَرْكَنَ لأيّ منهم و سنبقى ندافع عن ثورتنا و نطالب بالقصاص لدماء شهدائنا و لن نستسلم لتفاهماتهم فالوطن لشعبه و الأرض لأبنائها.