الحصري : مقالات رأي
بقلم الناصر الرقيق
مرّة أخرى تثبت تونس الثورة صلابتها على الجميع فقد تمكنت من هزم الكلّ أحزاب و جمعيات و منظمات و أنتصرت رغم الكمّ الكبير من التجاذب و الشحن السياسي بين مختلف الأطراف فهذه البلاد لها تاريخ طويل من الصمود أمام مختلف الأزمات فقد وقفت شامخة منذ زمن في وجه العديد من الذين حاولوا تركيعها مكرهة بدءا من الرومان وصولا إلى المخلوع لكن أبت إلا الإنتصار و هزم الجميع.
هذا الجمع الذي لم يفهم بعد أن تونس رحبة و هي تتسع للجميع يمكن أن يعيش فيها الأخ و الرفيق كما عاشت دائما مختلف الحساسيات منذ القدم متجاورة و لم يحاول أحد إلغاء الآخر فليس أمامنا اليوم إلاّ تجاوز خلافاتنا الفكرية و السياسية و إيجاد القواسم المشتركة التي يمكن أن توحدنا لأن قدر التونسيين أن يعيشوا على نفس الأرض و هي هاته الأرض الطيبة التي أنجبت الكثير من الرجال و النساء الذين ضحّوا بأنفسهم من أجل أن تكون تونس واحدة موحّدة و ليست مجموعة من الكانتونات الصغيرة التي قد تعصف بالنسيج الإجتماعي و تقضي على ما بقي من أحلامنا لهذا أظنّ أن كل من الحكومة و الإتحاد إستحضروا هذه المعاني و لو بطريقة غير مباشرة ليحصل الإتفاق الذي يبشر بمستقبل أفضل.
لقد كنت متأكدا أن الإضراب العام الذي أقرته الهيئة الإدارية للإتحاد العام التونسي للشغل لن يتم و أنه سيقع التراجع عنه في الساعات الأخيرة و ذلك لعدة أسباب لعلّ أهمّها أن الإضراب العام هو آخر الأسلحة النقابيّة بل يمكن إعتباره الرصاصة الأخيرة في مدفع الإتحاد و لا يمكن بأي حال خسارتها دون مكاسب بل يبقى إستعمالها إلاّ في حالة واحدة و هي حالة الضرورة القصوى للدفاع عن خطر داهم لا يمكن درءه إلا بهذا السلاح الغير تقليدي و هذا تدركه القيادة النقابية جيّدا ثم السبب الثاني أن قيادة الإتحاد أو الشقّ المعتدل فيها أحسّ بخطورة هذا القرار الذي ستكون له إنعكاسات خطيرة ليس على البلاد فقط بل على الإتحاد نفسه الذي قد يخسر أكثر مما يربح و في إعتقادي أن إلغاء الإضراب في آخر دقيقة سيحسب لقيادة الإتحاد التي ستظهر بمظهر وطني كما سيكون هذا المخرج مشرّف لها.
مهما يكن من أمر فهذا القرار بإلغاء الإضراب العام جاء لخدمة المصالح العامة و الخاصة و هو لا يحتمل وجود غالب أو مغلوب بل أن الغلبة كانت للوطن وحده لهذا أرجو أن تكون جميع الأطراف على قدر عال من المسؤولية و أن تحاول الحدّ من الإستقطاب خصوصا في هذه المرحلة الدقيقة التي تعيشها تونس و التي لم تعد تحتمل مزيد توتير الأجواء كما أتمنى أن يهدأ أنصار جميع الأطراف و أن يكفوا عن الملاسنات و المشاحنات التي تتم في مختلف الفضاءات و أن يترفعوا عن سفاسف الأمور و أن يضعوا مصلحة الوطن نصب أعينهم.
