بقلم الزميل كمال الشارني
نشر الزميل كمال الشارني منذ حوالي ساعة ” تدوينة ” أو منشورا على حسابه الخاص على ” فايسبوك “. ونظرا إلى أن ما كتبه يرتقي ( حسب رأيي الشخصي ) إلى مرتبة ” جدير بالقراءة ” والمتابعة على الأقل أردت أن تشاركونا ما كتب وهو الآتي “
ثمة وثيقة مجهولة المصدر، تدور منذ مدة في الانترنيت على أنها مسودة إصلاح إقتصادي لما بعد الـ Happening متاع السيد الرئيس ليوم 25 جويلية، وبقطع النظر عن صدقيتها فهي تبدأ بإجراء شعبوي طريف غير قابل للتصديق بالزيادة في أجور الموظفين بـ 20%، وإذا كانت الفكرة البراقة تهم موظفي الدولة فقط، فهي كارثة مزدوجة لأنها تتطلب ترفيعا في خلق الثروة في القطاع العام بنسبة 20% وهو شيء مستحيل حتى في خمسة أعوام متتالية من النمو والاستقرار، وأنا لا أعرف طريقة أسرع من هذه لتدمير الاقتصاد، تشبه رشوة البوليس الذي يضبطك تقود سيارة في الظلام بلا مكابح ولا أضواء ولا زيت ولا ماء، تسلكها معه لكنك ستنتهي عند أول منعطف في الوادي، لذلك فهي غير جديرة بالنقاش أصلا، لكن الوثيقة تغري بالحديث عن أصل المشكل، في ظل صمت القصور والشخصيات الأميرية في القصر الرئاسي الملكي، وغياب أية سياسة اتصالية أو أي تقدير لحاجة الناس أن تفهم إلى أين نذهب، وإلا “خلينا نمشوا وحدنا”،
ثلاثة إجراءات في هذه الوثيقة تخص الترفيع في الضرائب على المؤسسات 35% والتبغ 25% والمشروبات الكحولية 30%، والمقترح الأول اسمه تاريخيا في الاقصاد معاقبة من يدفعون الضرائب بالمزيد من الضرائب حتى يتوقفوا عن الاستثمار ويتوجهوا إلى تبييض اللأموال والاقتصاد الهامشي والكنترا والتوريد العشوائي حيث لا دولة ولا ضرائب ولا قانون إلا الباتيندة ذات 70 دينارا سنويا وأنت وقدرتك على شراء الحماية إذ عوض أن تذهب الفلوس على حركة المال إلى الدولة فهي تذهب إلى شراء الذمم، إذ لا تكفيهم مصائب البيروقراطية والقوانين المجحفة والاحتكارات التاريخية فتضاف لهم المزيد من الضرائب عكس الحكمة التاريخية للخروج من أية أزمة اقتصادية وهي التخفيض في الضرائب وتوسيع القاعدة الجبائية،
أما حكاية المزيد من الضرائب على السوكارجية والمدخنين لأنه لا أحد يجرؤ على الدفاع عنهم، فهو اسمه “اقتصاد آل كابوني” والمافيا في أمريكا العشرينات التي كانت المستفيد الأول والوحيد من منع تجارة المشروبات الكحولية، لأن الناس سيشربوها في كل الحالات كل هجمة للبوليسية عليهم تزيد في سعر البضاعة، عندما منعتها الدولة، تولتها المافيا فأصبحت أوسع الأبواب للإثراء السريع وخصوصا لإفساد موظفي الدولة من القضاة وحكام الولايات إلى أبسط بوليس، كلهم يأكلون من يد المافيا ومال الشراب كثير، ونحن لسنا بعيدين عن تلك الصورة حيث أن 40% من المشروبات الكحولية في تونس تباع في السوق السوداء ولا تستفيد منها سوى شبكات الإجرام والفساد والرشوة، رغم أنه قانونيا، المشروبات الكحولية هي مصنفة مع المواد الغذائية مثل زيت الصانغو المدعوم متاع أصدقائنا في الوطن الذي أصبح الحصول عليه أصعب بكثير من كردونة بيرة في أي حي شعبي بثمن أقل بكثير من ثمن زيت الطبخ، وليس هناك أي مبرر لأن يدفع أحدهم رشوة بمليون دينار من أجل رخصة شراب سوى أن الدولة تحتكر الرخص غير القانونية أصلا، إنها حكايات تحمم القلب في برّ الايالة التونسية المنكوبة باحتكارات الدولة منذ أن كان الوالي هو الذي يمنح رخص المقاهي ووزارة الدفاع رخص البارابول بحجة أنه يصلح للتخابر مع القوى الأجنبية التي تهدد سلامة جنتنا التونسية الفريدة،
نأتي الآن إلى 25% زيادة في ثمن التبغ، لأن هذه الفكرة العشوائية لا تخص سوى المتاجر الرسمية الخاضعة لمراقبة الدولة الفاسدة، لأن أكثر من 90% من التبغ الرسمي يباع خارج النظام والقانون بأسعار تحددها المافيا تزيد عن الـ 25% المقترحة، الطريف ليس هنا، بل في أن الدخان الدزيري كناية عن التبغ المهرب يباع على الحدود بدينار للعلبة الواحدة بين كبار المهربين مقارنة بستة أو سبعة دنانير للتبغ التونسي الأكثر انتشارا في تونس، وهو ما يعني أن فارق الربح عند التهريب أكبر من مثيله عند تهريب مخدرات الزطلة مثلا، لكن دون مخاطر السجن، فقط يطلب المهرب الصلح مع الديوانة ويعود إلى صنعته، لكن هذا من باب الطرافة لأن الخطر الحقيقي أن هذه الأرباح الطائلة في التهريب ستخصص لإفساد المنظومة كلها: القضاة والحكام وأعوان الدولة والمؤسسات الإعلامية كما حدث في مجتمعات أكثر منا تطورا وقوة في تنفيذ القانون، هنا، ليست مسألة دفاع عن تجارة التبغ أو الشراب، بل في مناقشة المقترحات الجنونية لجعل الفساد أكثر قوة وعنفا، حين يصبح هامش الربح في الكحول أو التبغ فوق 300% فإن تجاره سيحملون السلاح وينتدبون القتلة أو الإرهابيين، وهذا حدث دائما.
حسنا، إن بقية تفاصيل هذه الوثيقة التي، أؤكد أني لا أعرف أصلها لكني رأيتها مرار في الانترنيت لا تستحق التعليق في الأصل، لكني أعرف أن الوضع كله مفتوح على أكثر الاحتمالات جنونا، وأنه لا يتوفر لنا في المشهد ما يكفي من العقل السياسي لاقتراح الحلول السلمية، إن منقالة الأزمة تدق وتتقدم مقابل فراغ الساحة من أي نقاش اقتصادي حقيقي أو حتى فضاء لمثل هذا النقاش، ولأن هذه الحلول، من حيث الأصل والمبدأ، لا تقوم على مبدأ الانفراد بالسلط كلها والاعتقاد باحتكار امتلاك الحقيقة المطلقة وبأن الآخرين عصابات مخموروين وغرف مظلمة وفاسدون لا حل لهم سوى منصات الصواريخ، كلمة أخيرة اسمحوا لي بها لأنها ضرورية: لما يفكر حاكم في قلب النظام أو تغييره، يفترض أن يكون حدد الساعة الصفر، لكن يفترض أن يكون أعد قبلها البديل كاملا، مشروع حكم جديد وحكومة كاملة جاهزة للتنفيذ وخصوصا أمل مرئي ومقدور عليه للناس للخروج من الأزمة،
أما تطيح بالبرلمان والحكومة ثم نبقى في الغموض فريسة للإشاعات، فهي قصة أخرى، لا تفسير لها إلا ما يكتبه زميل في الإعلام العمومي هنا: “ارحي يا قيس والشعب معاك”،