لم تكن سهرة السبت 15 أوت 2026 على ركح المسرح الأثري بقرطاج مجرد حفل غنائي عابر، بل بدت أقرب إلى موعد مؤجل طال انتظاره بين إليسا و جمهورها . فبعد غياب يقارب 17 عاماً عن هذا المسرح، عادت الفنانة اللبنانية إلى جمهورها التونسي، لتثبت من جديد أن بعض العلاقات الفنية لا يطفئها الزمن، بل يجعل لحظة اللقاء أكثر وهجاً.
ومنذ الساعات الأولى، كان واضحاً أن الجمهور جاء إلى قرطاج لا لمشاهدة نجمة عربية تألقت بأغانيها الناجحة فحسب، وإنما لاستعادة جزء من ذاكرته معها. مدرّجات المسرح امتلأت بالآلاف، وتوافد عشاق إليسا منذ ساعات المساء الأولى، في مشهد عكس حجم الانتظار الذي سبق هذه العودة. وقد وصف العديدون الحضور الجماهيري بأنه استثنائي، حتى ان السهرة بدت من أكثر ليالي الدورة 60 لمهرجان قرطاج جماهيرية.
وقبل صعودها إلى المسرح، كانت أجواء الترقب قد بلغت ذروتها، حيث توافدت أعداد كبيرة من الجماهير منتظرين لحظة ظهورها.

✓عندما دخلت إليسا.. تغيّر إيقاع المكان
ما إن أطلت إليسا على المسرح بثوبها الأبيض الفخم و تسريحة شعرها الكلاسيكية حتى تحوّل الانتظار إلى موجة من التصفيق والهتاف. حيث لم تحتج إلى وقت طويل لاستعادة الصلة مع الجمهور؛ فالأغنية الأولى كانت كافية لفتح أبواب الذاكرة.
وقد اختارت إليسا أن تبدأ الحفل بأغنية كل يوم في عمري قبل أن تنتقل بين مجموعة من أشهر أعمالها، من بينها «عايشالك» و«فاكر» و«لو تعرفوه»، ‘”بتمون” “لو “…..و غيرها من الأغاني الناجحة إلى جانب أعمالها الجديدة. وكان اللافت أن الجمهور لم يكن مجرد مستمع، بل شريكاً حقيقياً في الحفل، يردد الكلمات ويستبق الفنانة في كثير من المقاطع.
وهنا تحديداً تكمن خصوصية حفلات إليسا في تونس: الأغنية عندها ليست مجرد لحن وكلمات، وإنما ذاكرة مشتركة بين الفنانة وجمهورها. لذلك بدا المسرح الأثري في تلك الليلة وكأنه مساحة واحدة تجمع صوت إليسا بآلاف الأصوات التي حفظت أغنياتها على مدى سنوات.
✓«ملكة قرطاج».. إليسا تستحضر تاريخ المكان
و خلال الحفل تحدثت إليسا عن قرطاج واسمها. فقد استحضرت شخصية إليسار، الملكة الفينيقية التي ارتبط اسمها بتأسيس قرطاج، وقالت إنها تفخر بأن تكون «إليسا» اليوم في قرطاج، في إشارة حملت الكثير من الطرافة والرمزية في الوقت نفسه. وقد أشاد سفير لبنان بتونس بتميز إليسا و أثنى عليها أمام الجماهير الحاضرة.
✓من الرومانسية إلى فيروز.. مساحة واسعة من الإحساس
لم تكتفِ إليسا باستعراض أرشيفها الغنائي، بل قدمت خلال السهرة جرعات متنوعة من الرومانسية والطرب، وحرصت على منح جمهورها لحظات مختلفة الإيقاع.
ومن المفاجآت التي لاقت تفاعلاً لافتاً غناؤها لفيروز، من خلال «سهر الليالي» و«نسم علينا الهوا»، في انتقال منح الحفل بعداً طربياً مختلفاً، وأكد قدرة إليسا على الخروج من إطار أغنياتها الخاصة إلى مساحة عربية أوسع من الذاكرة الموسيقية.
كما لم تخلُ السهرة من لحظات عفوية مع الجمهور، سواء عبر تبادل الهدايا أو الغناء الجماعي أو الرقص والتفاعل المباشر، وهي تفاصيل جعلت الحفل يبدو حميمياً رغم ضخامته الجماهيرية.
✓قرطاج الذي انتظر إليسا.. وإليسا التي انتظرت قرطاج
ربما كان أهم ما ميّز هذه السهرة أن قصة العودة نفسها كانت جزءاً من العرض.
فإليسا لم تقف على ركح قرطاج بعد غياب طويل لتقدم برنامجاً غنائياً فقط، بل جاءت وهي تحمل معها سنوات من الأسئلة حول سبب ابتعادها عن المهرجان. ومع إعلان عودتها في دورة 2026، تحولت المشاركة إلى واحدة من أكثر حفلات المهرجان انتظاراً.
وبعد انتهاء الحفل، اختصرت إليسا إحساسها تجاه المكان بالقول إن الغناء على مسرح قرطاج لا يشبه أي حفل أو مسرح آخر، مؤكدة أن علاقتها بالجمهور التونسي تقوم على حب متبادل.
✓ليلة استثنائية
في النهاية، يمكن القول إن حفل إليسا في قرطاج كان حفلا ناجحا لأنه جمع ثلاثة عناصر نادراً ما تجتمع في ليلة واحدة: نجمة تعرف كيف تمسك بالمسرح، وجمهور يحمل ذاكرة طويلة معها، ومكان يمتلك من الرمزية ما يجعل كل عودة إليه حدثاً بحد ذاته.
17 عاماً من الغياب انتهت في ليلة واحدة.. لكن الأهم أن إليسا أثبتت أن بعض الغياب لا يلغي الحضور، بل يجعل العودة أكثر قوة.
و تجدر الإشارة أن الدورة 60 لمهرجان قرطاج الدولي قد انطلقت في 16 جويلية و تتواصل إلى 19 أوت، في برنامج يضم 20 سهرة فنية.



