بقلم : يسرى الميلي
رغم أنّه قليل الظهور الإعلامي حيث لم نشاهده تقريبا في أي من البرامج السياسية سواء التلفزية أو الإذاعية العديدة إلا أن سليم الرياحي رئيس الإتحاد الوطني الحرّ برز نجمه في الأونة الأخيرة حين نجح في ترتيب لقاء بين إثنين من شيوخ السياسة في تونس هما الشيخ راشد الغنوشي و الباجي قائد السبسي و الذين كان يعتقد إلى وقت قريب أنهما لن يلتقيا أبدا إذ أن أكثر المحللين تفاؤلا كان يرى أن كلا الرجلين في أحسن الأحوال من الممكن أن يتبادلا عبارات المجاملة لا أكثر في سعي لتهدئة الأجواء و خفض منسوب التوتر بإعتبار أن العداوة بين أنصار الرجلين في أعلى مستوى لها و الإتهامات المتبادلة بين الفريقين كبيرة جدّا مما يجعل هذه المهمة تكاد تكون مستحيلة خاصة في الوقت الراهن أمام ما تعيشه البلاد من تحديات كبرى و ما يحاول فرضه كلّ طرف على الآخر لكن مع ذلك حصل المستحيل و إلتقى الرجلان في باريس و ذلك بعد أن قام سليم الرياحي بجميع الترتيبات اللازمة حيث تفيد الأخبار أنه قام بتوفير طائرته الخاصة لسفر الشيخ راشد الغنوشي ممهدا بذلك الطريق أمام أوّل لقاء من نوعه مع الباجي قائد السبسي مما أصاب الكثيرين بالدهشة خاصة في صفوف المعارضة الفوضوية التي كانت تراهن بشكل جدّي على الدفع نحو الصدام في الشوارع بين هذا و ذاك لكن ما قام به الرياحي قطع الطريق أمام هؤلاء و أثبت أنه لازال في تونس عقلاء من الممكن أن يلعبوا دورا في كسر الإستقطاب الثنائي و البروز كخيار ثالث عقلاني لا كخيار عدمي أو هدّام كخيارات البعض من المعارضة الراديكالية الباحثة عن هدم كلّ شيء في سبيل تحقيق لا شيء.
إذن فسليم الرياحي عرف من أين تؤكل الكتف لذلك فإنه و على عكس جميع المعارضين تقريبا خيّر الإبتعاد عن الكاميرا و إتخذ لنفسه منذ إنتخابات الثالث و العشرين من أكتوبر مسلكا آخر غير الذي سلكته المعارضة فالرجل بعد خيبة الإنتخابات الماضية عاود ترتيب أوراقه من جديد و حاول في كلّ مرّة الظهور بمظهر المعارض الجادّ الذي ليس له عداوة شخصيّة أو كره إيديولوجي تجاه الإسلاميين كما هو باقي أطياف المعارضة التي ينادي البعض من زعمائها صراحة بضرورة القضاء على الإسلاميين و إزاحتهم عن السلطة بأي الوسائل و إن تطلّب ذلك حرق البلد مثلما قال أحدهم بل أنه أي الرياحي يعارض برامجا و لا يعارض أشخاص إضافة إلى أن توجهات حزبه التي عبّر عنها في العديد من المرات لا تتعارض مع الهويّة العربية الإسلامية للشعب التونسي بل ما فتئ يؤكد أن تونس دولة عربية إسلامية و لا يمكن بأي حال من الأحوال نفي ذلك أو محاولة تغيير هذا الواقع و بالتالي فإن كلّ من يرى عكس هذا فعليه مراجعة حساباته.
غير أن النجاح الأبرز للرياحي يبقى تمكنه من ترتيب لقاء بين الشيخ راشد الغنوشي و الباجي قائد السبسي في محاولة منه لكسر الجمود الحاصل على مستوى الساحة السياسية و البحث عن الخروج بحلّ يرضي جميع الأطراف و كذلك لعزل التيارات السياسية المتطرفة التي لن ترضى إلا بالفوضى و فعلا بدأت بوادر الإنفراج تلوح في الأفق بعد هذا اللقاء و لا أدلّ على ذلك تصريحات الشيخ راشد الغنوشي و كذلك الباجي قائد السبسي رغم أن هذا الأخير حاول ترضية الجبهة الشعبية متجاهلا قوله السابق أنها تمثّل عبء المعارضة و هكذا و بدون ضجيج تمكّن الرياحي من تحقيق ما عجز عنه عتاة السياسيين في تونس الذين يقضّون في بلاتوهات التلفزة و منابر الإذاعة أكثر ما يقضّونه في بيوتهم حتى أصبح الواحد منّا يحرّك شفتيه بما سينطق به أحدهم قبل أن يتكلّم أصلا لكن مع ذلك لم ينجحوا إلا في تأزيم الأوضاع و نكّدوا على المواطن حياته بعراكهم المستمرّ الذي أبى أن ينتهي لذلك فإنه يمكننا القول أن سليم الرياحي كسر القاعدة في تونس و كان معارضا إيجابيا حيث لم يقف مكتوف الأيدي أو إصطفّ مع أحد الفريقين بل نجح في أن يكون همزة الوصل بينهما و أثبت أنه يشتغل في صمت و بالتالي تمكّن مع ليونة كلّ من الغنوشي و السبسي في تجنيب البلاد سيناريو شبيه بما حدث في مصر غير أن حراك الرياحي يجعلنا نتساءل عن معارضين تقليديين كانوا من شأنهم أن يقوّوا هذا المسار الذي إتخذه الرجل لكن هكذا هي قوانين الحياة فما يصلح للأمس قد لا يصلح لليوم و بالتالي فإنّه لا يسعنا إلا أن نترحّم على العديد من الأسماء رغم كونهم لازالوا على قيد الحياة ” فرحمة الحيّ خير من رحمة الميّت ” كما قال أجداننا رحمهم الله.