يكاد يجمع الناس ( من سياسيين ومن غير السياسيين ) على أن حركة النهضة هي أكثر الحركات ( أو الأحزاب ) انضباطا وأقل من تم نشر غسيله في وسائل الإعلام . وقد عرفت بهذا الانضباط منذ تأسيسها تقريبا أي منذ أن كان اسمها ” حركة الاتجاه الإسلامي ” . ولا يعني هذا أن الحركة لا تشقّها خلافات وأن مواقف أعضائها ( قيادة وقاعدة ) متناغمة بنسبة 100 بالمائة بل فيها من التناقضات والخلافات والاختلافات الشيء الكثير لكن امتيازها الذين كان هو أنها قدرت على أن تجعل من ” مطبخها الداخلي ” شأنا داخليا بنسبة كبيرة وأكبر من الأحزاب الأخرى جميعا .
ويبدو أن الكثير من الأمور قد تغيّرت خاصة في الآونة الأخيرة التي شهدت أصواتا تعلو ومواقف ” صلبة ” وغير منسجمة مع القيادة تطفو على السطح على غرار مواقف القياديين عبد اللطيف المكّي ومحمد بن سالم اللذين عبّرا صراحة عن عدم موافقتها على قانون المصالحة الإدارية أو سمير ديلو الذي انسحب قبل عملية التصويت على قانون المصالحة الإدارية ومعه انسحب أيضا 25 نائبا من النهضة لو أضفنا إليهم من حضروا وصوّتوا ضد القانون سنجد أن العدد تجاوز 30 نائبا أي حوالي نصف عدد نواب الحركة في المجلس … أو كذلك مواقف بعض النواب الآخرين ومنهم بالخصوص النائبة منية بن إبراهيم التي أصدعت برأيها الرافض لهذا القانون عاليا في مجلس الشعب الذي اعتبرت أنه ” خائن للأمانة وخائن للشعب إذا مرّر هذا القانون ” . ولعلّ استقالة النائب نذير بن عمّو تصبّ أيضا في باب ” إن تحت الرماد لهيبا ” يبدو أنه سيظهر قريبا للعموم .
ولعلّ ما بات واضحا اليوم أن الكثير من أعضاء مجلس الشورى وهي المؤسسة المؤثرة أكثر في مواقف الحركة غير راضين عمّا يجري وبالخصوص عن التحالف بين الغنوشي والسبسي ويرون أن رئيس حركتهم خذلهم وخذل الحركة من خلال هذا التحالف ويرون أنه بالغ في ” الانبطاح ” للسبسي الذي يرون أنه تخلّى عن حليفه في أول منعطف صعب وأنه ” قضى به شؤونه واستعمله خاصة في تمرير القوانين التي يريد ” لا أكثر ولا أقلّ .
وترى أطراف عديدة أن ما وصلت إليه حالة النهضة اليوم يحيل إلى عدّة احتمالات لعلّ من أهمّها أن تتعمّق الخلافات فتؤدّي إلى انقسام الحركة إلى شقين على الأقل مثلما حدث في نداء تونس مع بداية الانشقاقات أو أن يعمد جزء منها إلى طلب سحب الثقة من رئيس الحركة والدعوة إلى عقد مؤتمر استثنائي لانتخاب رئيس جديد يحافظ في شخصه ومواقفه والتزاماته على وحدة الحركة .
ومع أن كافة الاحتمالات واردة في ظل ما تشهده الحركة من اختلافات لم تعد خافية على أحد فإن احتمال التقسيم على سبيل المثال سيخلق مشكلة كبيرة في البلاد حتى بالنسبة إلى نداء تونس أي الحليف الحالي للحركة في الحكم والبرلمان . فالتقسيم سيؤدّي إلى إضعاف الحركة وإلى تقلّص عدد نوابها بشكل قد يستحيل معه الحصول على الأغلبية التي يمكن لها أن تمرّر القوانين التي تريد .
وبالإضافة إلى هذا يجمع الكثير على أن عددا كبيرا من قيادات النهضة وقواعدها بات ساخطا جدا على بعض نوابها الذين باتوا يمدحون ويهلّلون للحكومة ومراكز السلطة عموما بشكل لم يكن معهودا أو مقبولا في حركة النهضة على غرار النائب ماهر مذيوب صاحب القولة المدحيّة الشهيرة في يوسف الشاهد الذي قال عنه ” إنه ديمقراطي في جيناته ” وهي مقولة ذكّرت هؤلاء بالنهضوي المنشق عن الحركة خالد شوكات الذي قال عن رئيس الدولة إنه مبعوث العناية الإلهيّة . ويرى شقّ كبير من النهضة أن النائب مذيوب وأمثاله مجموعة من الانتهازيين الذين أصبحوا يبحثون عن المصالح والمناصب ويزنون الأمور بميزان المصالح وهم تبعا لذلك لا يشرّفون الحركة مثلما قال الكثير من أبنائها ” الغاضبين ” .
ولا شكّ أن الشق الغاضب اليوم في الحركة بات مصرّا على فك ارتباط الحركة برئاسة الجمهورية ونداء تونس وأن رئيس الحركة هو الذي ارتهنها لدى هذين الطرفين خوفا على ” زوالها ” أصلا في ظل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية أيضا . ويرى المنتمون إلى هذا الشق ( ومنهم قياديون مؤثّرون ) أن هذا الارتهان وهذه التبعيّة أفقدت الحركة هيبتها وقوّتها وقدرتها على أيّة مناورة سياسية سواء في المجلس أو خارجه وبالتالي لا مجال لاسترجاع ما فات إلا من خلال ” طلاق ” بين الشيخين ليس في المطلق طبعا وإنما في إطار توافقي لا يراه الغاضبون مثلما يراه رئيس الحركة ومن تبقّى معه .
وفي كافة الأحوال يبدو أن ما يحصل في النهضة أمر لا مفرّ منه وأن رياح التغيير قادمة لا محالة . وهذا ما قد يكون تمنّته بعض الأطراف أو حتى خططت له خاصة أولئك الذين اعتبروا في وقت ما أن النهضة كانت وراء ما حصل في بعض الأحزاب من شقاقات وانقسامات .
جمال المالكي