بقلم الناصر الرقيق
ما من شك أن الإتحاد العام التونسي للشغل يعتبر من أهم المؤسسات الوطنية التي لها علاقة كبرى بجميع الأحداث التي عاشتها تونس منذ تأسيسه و خاصة إبان فترة الإستعمار الفرنسي حيث كان للإتحاد دور بارز في الحركة الوطنية و رغم العديد من الهزات التي عاشها إلا أنه خرج منها أقوى مما كان عليه كما أن للإتحاد صولات و جولات في مقارعة الديكتاتورية و خاصة خلال أحداث 26 جانفي 1978 و أحداث الخبز لكن مع مجيء بن علي بدأ بريق الإتحاد يخفت شيئا فشيئا إلى أن صمت أو بالأحرى صمتت قيادته عما كان يفعله المخلوع بل و في كثير من الأحيان تزكيه مثل ما حصل من خلال تزكية ترشح المخلوع لإنتخابات 2004 و 2009.
و خلال أحداث الثورة التونسية لا ينكر إلا جاحد أن الإتحاد العام التونسي للشغل على مستوى قواعده شارك مع غيره من المنظمات الوطنية في تأطير و دعم المظاهرات التي خرجت للإحتجاج على الأوضاع قبل أن تبدأ بالمطالبة بإطاحة النظام لكن بقيت القيادة على وفائها للمخلوع و لا أدل ّ على ذلك أن آخر من قابل المخلوع هو الأمين العام للإتحاد يوم واحد قبل فرار المخلوع بل أن المركزية النقابية لم تدعو لإضرابات عامة إحتجاجا على ما يحصل من قتل للثوار أو تضامنا معهم و حتى الإضراب العام الذي قامت به صفاقس كان قرارا جهويا و لم يحظى بأي تغطية من القيادة العامة لإتحاد الشغل لأن هذه القيادة أرادت الإبقاء على حبل الود موصول مع المخلوع ظنا منها أنه لن يسقط.
و خابت هذه الظنون و سقط المخلوع و تغيرت كل الأمور في البلاد و بالتالي كان طبيعيا أن تهب رياح التغيير الجديد على الإتحاد فذهبت القيادة القديمة و جاءت أخرى جديدة في مؤتمر طبرقة الأخير و كان تغييرا على مستوى الشكل فقط لأن ما تم خلال هذا المؤتمر يشير إلى إتفاق حصل بين مختلف التيارات السياسية اليسارية المخترقة للإتحاد على تقاسم القيادة فيما بينها لكن بقي منصب الأمين العام محلّ تجاذب و أمام عدم الإتفاق تقرر إسناد هذا المنصب للسيد حسين العباسي الذي تشير المعلومات أنه لم يكن الأوفر حظا غير أن عدم تحزبه جعله يكون هو الأمين العام و للإشارة فإن وجوده على رأس المنظمة الشغيلة جعل منها أكثر إعتدالا لأنه في صورة وجود شخصية أخرى من الأسماء التي كانت مرشحة كانت ستجعل الأمور أكثر تأزّما ممّا هي عليه الآن.
لكن هذه القيادة الجديدة لإتحاد الشغل لم تفتح و لم تحاول فتح عديد الملفات التي تطرح حولها الكثير من الأسئلة و من أهمها العشرية السواء في تاريخ الإتحاد التي بايعت فيها قيادته المخلوع و سكتت عن كل جرائمه و أيضا ملفات الفساد الإداري و المالي للعديد من القيادات السابقة للإتحاد و أعتقد أن هذا السكوت كان عن سابق وعي نظرا لعدم رغبة الأطراف السياسية التي تسيطر على قيادة الإتحاد في فتح تلك الملفات لغاية في نفس يعقوب و هنا نتساءل لماذا تطالب المركزية النقابية الحكومة بفتح ملفات الفساد؟ في حين تصمت عن الفساد داخل الإتحاد.
من أكثر الأشياء ملاحظة إذا ما دققنا في تركيبة المكتب التنفيذي للإتحاد العام التونسي للشغل أنه بإستثناء السيد حسين العباسي الأمين العام فإن باقي الأعضاء أو معظمهم تقريبا ينتمون لأحزاب سياسية أو تيارات إيديولوجية بل منهم من خاض إنتخابات المجلس التأسيسي و خسرها بهزيمة نكراء و ما يفسر تحامل هذه الأطراف على الأحزاب التي فازت بالإنتخابات و خاصة حركة النهضة التي تعتبر الخصم الرئيسي لهؤلاء و بالتالي يجب إستعمال جميع الأسلحة المشروعة و المحرمة للإطاحة بها و لو على حساب الوطن و المواطن و نحن نشاهد يومياالمزايدات من تلك الأطراف على أعضاء الحكومة خاصة في ولاءها للوطن و نظافة اليد و هنا أود أن أوجّه سؤال واحد لجميع أعضاء المكتب التنفيذي للإتحاد هل بإمكانكم أن تكشفوا لنا عن قيمة مرتباتكم التي تتقاضونها من أموال الإتحاد المتأتية من جيوب العمّال و أيضا عن ممتلكاتكم؟ لا لشيء إلا لتطمئن قلوبنا.
كم كنت أتمنى أن ينسج الإتحاد العام التونسي للشغل على منوال النقابات في أمريكا أو في البلدان الأوروبية التي تتضامن مع الحكومات في الأوقات العصيبة ليس حبا في الماسكين بالسلطة و لكن حبا في بلدانهم لكن من المؤسف أن نرى الإتحاد أصبح لا همّ لقيادته سوى تعطيل الدورة الإقتصادية من خلال شن الإضرابات أو تبنيها و للإشارة فإن عدد الإضرابات التي حصلت خلال هذه السنة لوحدها يفوق عدد الإضرابات طوال حكم المخلوع و هو ما يطرح عدة تساؤلات و أضيف أنه منذ سقوط النظام لم أشاهد و لو دعوة واحدة من قيادة إتحاد الشغل تشجّع فيها على العمل بل لم أرى سوى الدعوات للإضراب و أخرها الدعوة للإضراب العام يوم 13 ديسمبر الذي يتزامن مع تنظيم تونس للمرّة الأولى قمة تمهيدية لدول الثماني و الذي من الممكن أن يلغى بسبب هذا الإضراب و هو ما سيكون له إنعكاس سلبي كبير على تونس و هذا ما لا نتمناه طبعا كما نرجو أن يقع التراجع عن هذا الإضراب و ذلك تقديرا للمصلحة العليا للوطن.
أعتقد أنه على إتحاد الشغل أن يبادر من داخله بعزل المجموعات الإيديولوجية المتطرفة مثلما فعل الزعيم النقابي الحبيب عاشور حين بادر بإحالة تلك المجموعات على لجنة النظام و عزلهم و ذلك حماية للإتحاد و الحفاظ على خطه الوطني و تثبيتا لدوره في خدمة الوطن و بقاءه على نفس المسافة من جميع الأطراف السياسية لأن الإتحاد العام التونسي للشغل هو إتحاد الجميع و ليس إتحاد تلك المجموعات الفوضوية كما أعتقد أنه يجب على جميع الأطراف أن تعرف أن التجاذب و الإحتقان لا يخدم إلا مصلحة أعداء الوطن و الثورة لذلك لابدّ من التهدئة حتى لا نهلك جميعا و كما قال الثائر الأمريكي مارتن لوثر كينغ ” علينا أن نتعلم كيف نعيش سوية كالأخوة، أو نهلك معا كالحمقى”
……………..
