حاورته : نهى بلعيد
أصدر الصحفي و الشاعر التونسي صالح السويسي مؤخرا ديوان شعر تحت عنوان ” وحيدا بلا أغنيات”. و يحاول الشاعر من خلال هذا الديوان أن يخلق نوعا من التواصل مع قارئ الديوان عبر تراكيب متناغمة، محاولا أن يرسل فيه روح الأمل في ظلّ الصراعات التي تعيشها تونس.
التقينا بالشاعر صالح السويسي، فكان الحوار التالي:
– أولاّ، كيف تمّ اختيار هذا العنوان ؟
هذا العنوان هو أساسا عنوان إحدى قصائد المجموعة. لقد كتبت النص منذ سنوات وتحديدا سنة 2006 على ما أذكر، ولي معه قصة حب غريب.
أحب هذا النص كما أحبّ نصّا آخر كتبته بعد رحلتي لمدينة وهران الجزائرية عام 2010 ونصا ثالثا بدأت كتابته على متن طائرة الخطوط الإماراتية أثناء رحلة العودة من إحدى زياراتي هناك… هي نصوص قريبة جدا منّي أحسّ أنها أحبّ “أبنائي” الشعرية إليّ.
وبالعودة إلى هذا العنوان الذي أرى فيه بعض الأحبة ممّن يتابعونني منذ سنوات طويلة بعض التجنّي على باقي نصوصي فيما رأى آخرون أنّه يعبّر عن مساحات الحزن والوحدة والقلق الوجودي الذي يغلّف أغلب كتاباتي، أقول أنني حين باشرت بإعداد كتابي للنشر –وكان ذلك منذ خمس سنوات- فكّرت طويلا في عنوان يكون معبّرا عمّا تنبض به النصوص بين دفّتيه وسلسا في نطقه جميلا في أبعاده يحفز القارئ على تصفّح الكتاب ولا ينفّره.
– و قصيدة “وحيدا بلا أغنيات” ، عن ماذا تعبّر؟…..
قصيدة “وحيدا بلا أغنيات” التي حملت عنوان الديوان مشحونة بحالات الحزن والشجن، موغلة في مفردات الوحشة والوحدة والألم الدفين
“وَأَمْضِي إِلَى اللَّيْلِ وَحْدِي
غَرِيبًا
وَحِيدًا
بِلاَ أُغنْيِاَتٍ
يَزُفُّنِي لِلْحُزْنِ…
نَزِيفِي…”
في هذا النص تجدين أنني أعيش حالة من التوحد مع الوحدة التي قد تبدو مؤلمة أو قاتلة ولكنها في شقّها الآخر تولّد داخلي أسئلة حارقة “هَلْ كَانَ حُبًّا ذَاكَ الَّذِي تَغَلْغَلَ فِي عُرُوقِي؟” أو “فَكَيْفَ الرَّحِيلُ؟ وَكُلُّ الثَّنَايَا تَقُودُ إِلَيْهَا، وَكُلُّ القَصَائِدِ حُبْلَى بِمَاءِ يَدَيْهَا”.
وتتواصل رحلة السؤال في القصيد بشكل ملحّ “تُرَى هَلْ يُدْرِكُ اللَّيْلُ أَنَّا شَقِيقَانِ؟ وَأَنَّ خُيُوطًا مِنْ غُبَارِ الوَقْتِ تَرْتُقُ حُزْنِي وَحُزْنَهْ؟”
القصيد يحمل أيضا كمّا من الحنين والشوق لمن غابوا أو رجلوا أو خيّروا الابتعاد سواء بالمسافة أو بالمشاعر “حُزْنِي أَشْجَارٌ تَصَّاعَدُ نَحْوَ اللَّهْ، حُزْنِي أَجْنِحَةٌ لِلْبَوْحِ… حُزْنِي ذَاكِرَةٌ لِلْوَجَعِ المُوغِلِ بَيْنِي وَبَيْنِي..” أو “عَلَى شُرْفَةِ الغَائِبِينْ أَنْشُرُ حُزْنِي، ذَاكَ المُمْتَدُّ سَحَابَاتٍ مِنْ حَنِينْ”
إذن عنوان المجموعة يعطي فكرة حول نصوص الكتاب وربما يحدد بعض تفاصيل ما تبوح به تلك النصوص على أنّ مفاتيح القراءة موكولة للنقاد الذين يمكن أن يقدموا قراءات ربما لم تخطر ببال الكاتب أصلا.
– ماهي المحاور الرئيسية التي طرحتها من خلال ديوانك الشعري ؟…..
بالنسبة إلى محاور الكتاب، لا يمكنني أن أحدّد حتى لا أكون ظالما لنصوصي وغير عادل بينها، ولكن سأجيلك لما كتبه الشاعر والناقد هاني نديم حيث يقول ” صالح سويسي يقدم في هذا الديوان تجربة أصيلة في الحزن والوحدة ويحاول جاهداً التواصل الإنساني مع قارئه بلغة صافية كافية لصناعة الشعر…” وهذا ربما يعطي فكرة عمّا تضمّنته نصوص الكتاب من توق للتواصل مع الآخر أي القارئ عبر اللغة والإحساس.
– أنت كشاعر، كيف ترى المستقبل في تونس بلا أغاني و رقص الهارم شايك ؟
بالنسبة إلى تونس، لا منقذ لنا اليوم غير الإبداع،. يجب أن نجاهد ونناضل من أجل ثقافة تجمع بين حرية التعبير وعمق التصورات ووضوح الأهداف. لا مستقبل لهذا البلد لو انغمس أكثر في اللعبة السياسية القذرة وركن للمزايدات الحزبية.
هناك سعي محموم لتفريغ المرحلة من أهدافها الأساسية وهناك رغبة في تجويع التونسي وبالتالي تركيعه ليرضى بالأمر الواقع وهي سياسة أي مشروع ديكتاتوري على مر التاريخ (البدء بتفقير الشعب وتجويعه حتى لا يفكر في غير قوته وقت عياله) ومن ثمّ تجفيف كل منابع التفكير لديه وتكبيل ملكات الإبداع ولإنجاز ليكون مجرد أداة في يد الحاكم الواحد الأوحد.
شخصيا أرى أنّه يجب أن نوغل في فعل الإبداع ونفسح المجال شاسعا أمام الشباب كي يعبّر ويصنع الفرح الذي نفتقده منذ فترة، يجب أن تتضاعف جرعات الفرح حتى تصبح تونس أجمل وأفضل… تلك الرقصة التي تداولها شباب تونس لم تكن سوى رد فعل طبيعي عمّا يحدث ورسالة واضحة المعالم لم يفهم ويعي حساسية المرحلة الحالية التي تمرّ بها بلادنا. لذلك وجب على الحكّام الجدد أن يكونوا في مستوى تطلعات هذا الشعب وإلاّ فليتركوا المكان لمن يمكنه أن يسعدنا.