جلس أمام المنسج وشرع في العمل . هاهي الخيوط أمام بصره الثاقب تتقاطع وتتشابك وتنعقد. أناملك تذهب وتجيء يمينا وشمالا فاصلة بين خيوط اللحمة والسدى والمدق يرص الخيوط المتلاحمة رصا متواصلا ناعما مرة وشديدا قاسيا مرات أخرى. يداك تتحركان أيها النساج فتعبران عن مهارة فائقة حتى إن العين لا تكاد متابعة حركاتك الموزونة المتلاحقة السريعة الرشيقة.
شرعت في قراءة الصورة وتأويل ما يمكن أن تشكله يداك وبدأت الصورة تتشكل شيئا فشيئا وبدأت معالمها تظهر وبدا المستور شبه واضح. كتمت أنفاسي وتراجعت قليلا إلى الوراء لما تكشفت لي صورة الدكتاتور رقم 3
إن المناسبة التي سأسوقها هي التي جعلتني أخط هذه الكلمات : كان ذلك في يوم ما بعد الثورة بإحدى المدن التونسية الكبرى وكانت القاعة غاصة بالعباد وانطلقت الخطب والأشعار والأغاني وعلت الزغاريد مولولة في سماء القاعة إلى أن دخل رئيس الحزب وحدثت العجيبة التي أذهلتني واستثارتني إلى حد مغادرة القاعة وفي القلب غصة ولوعة على تونس لما تقترفه يدا هذا النساج الماكر المنافق التعيس…لقد علا الهتاف والتصفيق الحاد المطول يصاحب كل ذلك وقوف جماعي. رجعت بخيالي إلى ما قبل الثورة لأرى نيرون الثاني وهو يقف أمام الشعب .
وعلمت أنك يا شعب هو من ينسج الجبابرة الطغاة ويصنعهم وتيقنت أن كلا من بن علي وبورقيبة ما كان أن يكونا كذلك لولاك ياشعب.
لقد تخلصنا من “نيرون” الأول والثاني وهاأنت تنسج طاغية ثالثا فهل يأبى جنباك إلا أن يعيشا تحت جناح ديكتاتور وهل ترفض أن تعيش على وجه هذه الأرض دون التقديس لصنم تصنعه يداك وتتفننان في خراطته ؟عجيب أمرك والله.
