يلهينا تأزّم الوضع على مسرح المجتمع حتى لا نكادُ نميّز الخطأ من الصواب و الحق من الباطل.وتقفز على سطح الأحداث السياسية اليوم قضية الهوية التي لم تكن يوما ما محلّ جدال عقيم ومصدر قلق و انني أحسبها من الوهلة الأولى مسألة مفتعلة يعلم الله من حرّك خيوطها حتى لا افترض الشك في جهة معينة.
المسألة طرحت من باب بث الفتنة في المجتمع المتماسك الذي يشهد حراكا حداثيا معاصرا وأقل ما أقول عن نقطة الهوية أنها ضد تاريخ هذا البلد وواقعه وحقيقته. انها جدل مقيت و عقيم بكل المقاييس لتلهية الشعب عن المشاكل الحقيقية والمخاطر المحدقة بنا من كل جانب تشمل مسائل النماء والبناء والإرهاب والمخدرات والرشوة والفساد.
لقد توقعت يوما أن الثورة الناعمة في 14 جانفي 2011 التي أبھرت العالم بحق بشعارات الحق والحرية والكرامة والعدالة و التوازن بين الجهات وافترضت أن يتوقف نجاحها على بقاء الصورة المشرقة في الثورة المحفورة بعمق في الأذهان دون تدنيسها مع تحقيق الأولويات المتمثلة في استعادة نسق النمو الاقتصادي وإرجاعه سيرته الأولى لاستحداث مواطن الشغل تباعًا وإقحام أصحاب الشهائد العليا في الدورة الاقتصادية قدر الإمكان وجميع ذلك ليس بالأمر الهيّن واليسير في ظل نسق منحسر في النمو مصيره بيد البشر والواضح لا يحتاج الى توضيح ثم نمضي إثر ذلك إلى إعادة بناء الثقة تدريجيا بين الحاكم والمحكوم بقطع النظر عن الانتماءات الحزبية والايديولوجيات ثم إنشاء إعلام يقوم بدوره كسلطة رابعة تمارس دور النقد النزيه بعيدا عن أي وصاية و تحامل ثم العمل على هدم المنظومة الأمنية الإعلامية السياسية السابقة.
واليوم وقد تعلمنا من التجارب أن النجاح ليس بالشعارات أو المهاترات بل بالعمل الــــــــــــدؤوب و بالبرامج الاقتصادية والاجتماعية و حسن الاصغاء لمشاكل الناس مع مسك العصا في الوسط ونسترجع حقبة ما قبل الثورة حين کنّا نتحدث ونهمس سرّا عن ظلم و استبداد و تهميش.
وبعد الثورة صار الكثير منّا يرسّخ عقلية التخوين وسوء النية وممارسة الارهاصات فلم ننأى عن العنف والمظالم والذي يزيد الطين بلة أن الخلاف بين الأحزاب سابقًا قد انتقل إلى المجالس النيابية وحتى الوفاق الذي حصل بالترويكا نعت بأبشع النعوت و وضعت له العقبات من جهات لم يكتب لها الفوز في جولة انتخابية وقد نسي هؤلاء جميعهم أن عجلة الإصلاح وأمانة البناء و التنمية والتطوير ليست بيد المنتخبين فقط بل بيد كل القوى الحية في البلاد حتى لا تصدق قولة أحد الرؤساء الأفارقة «الكرسي أو الموت».
إن تونس في خضم الربيع العربي الذي شمل بلدانا عربية صار ينظر إليها كحالة عامة لا خاصة وقد تتحمل أوزار شؤون لا تعنيها بما أنها دخلت فى منطق رقعة تهزّها الصراعات حول ثالوث الطاقة والارهاب والصراع الاقليمي رغم تميّز بلدنا في حقيقة الأمر بالانسجام العرقي و الديني ويشهد التاريخ بذلك وحتى أبلور مشهد الأحداث اليوم فإن حالات اللاانسجام التي تبرز من حين لآخر تغذيها التيارات المتأتية من الحراك الاجتماعي و السياسي كالسلفية بأنواعها وتشعب اليسار والليبرالية فكلها حالات ذات صبغة ثقافية يمكن التحكم فيها بما لا يجعلها تؤثر على الناحية الأمنية للبلاد بإعطائها مساحات في الإعلام المرئي والمكتوب وهو أمر حمدناه في بعض قنواتنا التلفزية بالطرح الجاد والمعمق لوضع حدّ للكبت الدِّيني الذي تغلغل في النفوس لعقود خلت ، وحتى ينسجم المجتمع على المدى المتوسط مع المسألة الخلافية يتم القطع مع المواضيع المحظورة وتصبح الحالة عادية.
إننا أمام لحظات فارقة وعلى الجميع الالتفاف لرفع التحديات و تحقيق غايات الثورة و لننأى عن التوتر المرضي و الاكتئاب العدواني و لنسعى لاستبدال الاحتجاجات بالاعتصام بحبل الله و العمل الجاد و اعتماد بطارية الاهداف المحمودة و لقد علمنا التاريخ أن تخلّف المجتمعات و هشاشة تجاربها التحديثية تتأتى من سرعة انحدارها و عودتها للوراء بمجرّد حصول هزّات من هذا القبيل.
عادل الشارني

