يبدو أن السبل جميعها قد ضاقت بسكان مدينة حمام الانف وأن ” أرواحهم طلعت ” ولا من سامع ولا من مجيب . فمنذ سنوات عديدة أطلق أبناء الضاحية الجنوبية صيحات الفزع الوحدة تلو الأخرى جرّاء جهنّم الحمراء التي باتوا يعيشون فيها منذ دهر وخاصة بعد 14 جانفي 2011 .
ولعلّ ما يحزّ في أنفسهم ( وأنفسنا أيضا بما أننا نعرف كيف كانت الأمور) أنهم انتقلوا من ” أصحاب واحد من أجمل الشواطئ في تونس ” إلى أصحاب واحد من أسوأ الشواطئ وأكثرها بؤسا ووسخا ربما في كافة مدن البحر الأبيض المتوسط والقرن الإفريقي أيضا .
وما يزيد في الأسى والألم أيضا أن السلط لا تحرّك ساكنا وبعضها لا يريد أن ” ينزل من فراش نومه ” رغم المطالبات والشكاوى التي لا تحصى ولا تعد . بل أتعس من ذلك إذ أن السلطة ذاتها ممثلة في إحدى مؤسساتها ( الأوناس ) لا تدّخر أي جهد ( جايبة ما عندها ) في سبيل تلويث البحر بكل ما تيسّر من فضلات الحيوان والبشر. والكل يعرف اليوم أن أبناء حمام الأنف ينطبق عليهم ذلك المثل الذي يقول ” الماء بحذايا والعطش قاتلني ” . فالبحر أمامهم لكنه ممنوع عليهم ولا يمكنوا بهم لأن يستجيروا به من حرارة الصيف لأنه إذا آمنهم من الحرّ فلن يضمن لهم المرض وضيق التنفّس والروائح ” العطرة جدا ” التي باتت منذ سنوات تعطّر هؤلاء السكان في أي مكان وأي زمان .
وبالإضافة إلى تلوث البحر شهدت حمام الأنف ما شاء الله تلوّثا سمعيّا بصريا اجتماعيّا اقتصاديا … وعلى كافة الوجهات ” بفضل” غياب السلطة الذي يكاد يكون كليّا عن المدينة فكثرت الإخلالات والتجاوزات والمشاكل وكافة أنواع ” الدمار الشامل ” في مدينة أصبح الكثير من سكانها يفكرون بكل جدية في مغادرتها وفي ” الحرقة ” نجو مدن أخرى أكثر راحة وأكثر نظافة وأقلّ ” جوجمة ” .
وفي هذا الإطار قرر شباب من المدينة أن يثور على الوضع وأن يعبّر عن غضبه ممّا آلت إليه الأمور في مدينتهم فأطلقوا حملة على وسائل التواصل الاجتماعي تحت عنوان : رجّعولنا بحرنا ” كخطوة أولى لاسترجاع بحرهم ” المرهون : في انتظار خطوات أخرى لاسترجاع أمور أخرى .
ويقوم هؤلاء الشبان والأطفال ومعهم أيضا الكهول والشيوخ يوم الأحد بوقفة احتجاجية للمطالبة بإطلاق سراح البحر… الذي يدخل في إطار الحق في الحياة في محيط سليم … أليس كذلك يا دستور 2014 ؟.
جمال المالكي