شهد ملف اعتماد مؤسسات التكوين الهندسي الخاصة في تونس جدلًا واسعًا بعد أن أصدرت عمادة المهندسين التونسيين قائمة أولية ضمت 11 مؤسسة خاصة اعتبرت أنها تستجيب لمعايير الاعتماد التي تعتمدها العمادة، وأعلنت في المقابل عن فتح باب دراسة ملفات بقية المؤسسات مقابل معلوم يناهز 10 آلاف دينار، وهو ما أثار موجة من الانتقادات والتساؤلات حول الأساس القانوني لهذه الإجراءات.
وتصاعد الخلاف عندما أكدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن الترخيص لمؤسسات التعليم العالي الخاصة، واعتماد برامجها، والاعتراف بشهاداتها، هي صلاحيات حصرية للوزارة بمقتضى القوانين المنظمة للقطاع، وأن تقييم المؤسسات التعليمية أو منحها الاعتراف لا يدخل ضمن اختصاصات عمادة المهندسين.
كما دخل الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، عبر هيكله الممثل لمؤسسات التعليم العالي الخاصة، على خط الأزمة، معتبرًا أن نشر العمادة لقوائم المؤسسات المقبولة أحدث حالة من الارتباك لدى الطلبة والأولياء والمؤسسات المشغلة، وشدد على أن النصوص القانونية لا تجعل التسجيل بجدول العمادة مرتبطًا بالحصول على اعتماد تمنحه العمادة، بل بالاعتراف الرسمي للشهادة من قبل الدولة ممثلة في وزارة التعليم العالي.
وبذلك، يرى منتقدو العمادة أنها تجاوزت دورها المهني المتمثل في الدفاع عن المهنة والمحافظة على جودة التكوين، إلى ممارسة صلاحيات يعتبرون أنها من اختصاص وزارة التعليم العالي وحدها، خاصة مع ربط دراسة الملفات بمعلوم مالي ونشر قوائم قد تؤثر في سمعة المؤسسات ومسار الطلبة. في المقابل، تتمسك العمادة بأنها تتحرك في إطار دورها في حماية جودة التكوين الهندسي وتشجيع الاعتماد الدولي للمؤسسات الهندسية.
وفي تصريح أدلى به لموقع “الحصري” بتاريخ 4 أوت 2026، شبّه محسن الغارسي، رئيس عمادة المهندسين التونسيين، هذا الوضع بتراخيص ممارسة المهنة التي تصدرها عمادة الأطباء أو عمادة المحامين. وأوضح أنه في كلا الحالتين، هناك فرق بين الحصول على شهادة علمية وبين التمتع بالصفة والأهلية لممارسة مهنة طبيب أو محامٍ.
وأضاف قائلاً: «أودّ أن أوضح ذلك مرة أخرى… لست ضد المؤسسات الخاصة… بل إن هناك اتفاقاً وقّعته رئيسة الحكومة السابقة، نجلاء بودن، يوضح أنه لا يمكن الحصول على صفة مهندس إلا عبر اجتياز المناظرة الوطنية… غير أن المؤسسات الخاصة تريد فرض التسجيل الآلي لطلبتها بالعمادة».
كما أشار رئيس عمادة المهندسين إلى وجود الفارق بين واقع المؤسسات الخاصة وواقع المؤسسات العمومية، مشدداً على مسألة العدالة الاجتماعية. فمن جهة، يفرض التعليم العمومي مساراً شاقاً على الطلبة، بين البنية التحتية المتدهورة أحياناً، والضغط النفسي للامتحانات، والضرورة القصوى للنجاح في مناظرة وطنية ذات انتقاء عالٍ للفوز بلقب مهندس.
ومن جهة أخرى، يرسم القطاع الخاص واقعاً مختلفاً تماماً، حيث تبدو الإمكانيات المالية في بعض الأحيان أهم من المعيار الأكاديمي. فحتى بعد الحصول على معدل متواضع في شهادة البكالوريا، يمكن لأي شخص يمتلك الموارد المالية اللازمة الالتحاق بمدرسة خاصة، والحصول على شهادتها، والمطالبة بالتسجيل في عمادة المهندسين دون الخضوع لاختبار المناظرة الوطنية. وهذا التباين الصارخ يغذي نقاشاً عميقاً حول تكافؤ الفرص، وعدالة المنظومة الجامعية، والقيمة الحقيقية للشهادة في سوق الشغل.
من جانب آخر، ذكّر محسن الغارسي بأن تونس تضم 30 ألف مهندس مسجل بالعمادة. وأكد أيضاً أن عمادة المهندسين هي التي تحدد الاحتياجات من المهندسين، وأنها لا تسعى إلا لضمان احترام البرامج والمناهج التعليمية من أجل ضمان تكوين جامعي ملائم.

