أثارت التطورات الأخيرة المرتبطة بكأس العالم 2026 تساؤلات متزايدة حول قدرة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على ضمان حياد البطولة الأكثر شعبية وحماية جميع المشاركين فيها من لاعبين وجماهير وحكام، بعدما وجد المنتخب الإيراني نفسه مضطراً لخوض مبارياته في الولايات المتحدة مع الإقامة في المكسيك ومنع المسؤولين عنه من الحصول على تأشيرات، في حين واجه الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان فيتو حال دون دخوله الأراضي الأمريكية، وهو ما أعاد إلى الواجهة الجدل القديم حول حدود سلطة الفيفا أمام قوانين وسياسات الدول المضيفة.وتبرير الفيفا واهي وغير مقبول وهو عدم تدخلها لدى البلد المضيف لمنح التأشيرات اللازمة لكل من له صلة بالمونديال.
ومنذ تأسيس كأس العالم، سع الفيفا إلى تقديم البطولة باعتبارها حدثاً عالمياً مفتوحاً أمام الجميع، بعيداً عن الخلافات السياسية والجغرافية، غير أن الوقائع أثبتت أكثر من مرة أن السياسة كثيراً ما تتسلل إلى الملاعب وتفرض نفسها على أكبر حدث كروي في العالم.وهذا ما تأكد في هذا المونديال قبل بدايته.
وليس الجدل الحالي الأول من نوعه، فقد شهد مونديال الأرجنتين عام 1978 انتقادات واسعة بسبب تنظيم البطولة تحت حكم المجلس العسكري، بينما قاطعت عدة دول إفريقية تصفيات كأس العالم 1966 احتجاجاً على نظام التأهل الذي اعتبرته مجحفاً. كما أثار مونديال روسيا 2018 جدلاً سياسياً واسعاً على خلفية الأزمة الأوكرانية والعقوبات الغربية، في حين تعرض مونديال قطر 2022 لضغوط وانتقادات مرتبطة بقضايا مفتعلة (منع المثليين من رفع اعلامهم ومنع احتساء الخمر..)وتبين فيما بعد أنها كانت النسخة الأفضل على الإطلاق.
وخلال كأس العالم 1994 بالولايات المتحدة، واجهت بعض الوفود قيوداً وإجراءات أمنية مشددة، إلا أن السياق الدولي الحالي يبدو أكثر تعقيداً، خاصة مع تنامي الاعتبارات الأمنية والهجرة وتشديد إجراءات منح التأشيرات.
حيث تعرضت الوفود الى اهانات تفتيش وكان واضحا التمييز بين المنتخبات.
وتطرح هذه التطورات سؤالاً أساسياً حول مدى قدرة الفيفا على فرض مبدأ المساواة بين جميع المنتخبات والحكام والمسؤولين، خصوصاً عندما تتعارض متطلبات البطولة مع القوانين السيادية للدول المضيفة.
ويرى عدد من المتابعين أن الوقت قد حان لمراجعة شروط منح شرف تنظيم كأس العالم، بحيث تتضمن التزامات قانونية أكثر وضوحاً تُلزم الدولة المضيفة بضمان دخول جميع المنتخبات والحكام والمسؤولين المعتمدين دون استثناء، بما يحفظ الطابع العالمي للبطولة ويمنع تحويلها إلى رهينة للظروف السياسية أو القرارات السيادية الداخلية.
فإذا كانت الفيفا قد نجحت على مدى عقود في تحويل كأس العالم إلى تظاهرة كونية تتجاوز الحدود، فإن التحديات التي تواجه نسخة 2026 قد تدفعها إلى إعادة النظر في قواعد الاستضافة، حتى لا تتكرر أزمات تهدد أحد أهم المبادئ التي قامت عليها اللعبة: أن كرة القدم تجمع الجميع، دون تمييز أو إقصاء.
بقلم فتحي التليلي

