لم تكن ليلة 17 أوت في المسرح الأثري بقرطاج مجرد موعد جديد في أجندة الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، بل كانت عودة طال انتظارها لفنانة يعرف جمهورها جيداً أن حضورها لا يشبه سواه.
بعد ثمانية أعوام من الغياب عن ركح قرطاج، عادت أمينة فاخت لتجد في انتظارها جمهور غفير فاق طاقة استيعاب المسرح لم ينسَ صوتها ولا طريقتها الخاصة في تحويل الحفل إلى حوار مفتوح بين الفنان والمتلقي. ومنذ اللحظة الأولى، بدا أن السهرة ستكون مختلفة.
و قد اختارت أمينة أن تفتتح الحفل بأغنية «مازال بدري»، في انطلاقة حملت أكثر من دلالة، خاصة مع الكوريغرافيا التي أشرفت عليها ابنتها ملكة عويج. وقد أضفت الحركة الراقصة على الافتتاح بعداً بصرياً لافتاً، فبدت الأغنية وكأنها تدخل إلى الركح من بوابة مسرحية متكاملة، تجمع بين الصوت والجسد والإيقاع والصورة.
لم يكن افتتاحاً تقليدياً، بل كان إعلاناً مبكراً عن حفل أراد أن يكون فرجة فنية متكاملة.
من «مازال بدري» إلى ذاكرة الأغنية
بعد الافتتاح، انطلقت أمينة فاخت في رحلة عبر مجموعة من أبرز أغانيها، متنقلة بين حالات عاطفية وإيقاعية مختلفة، ومقدمة لجمهورها رصيداً غنائياً ظل حاضراً في الذاكرة التونسية.
تتالت الأغاني: «اسألوا قلبي» ، ثم «سلطان حبك»، و«أنت توعد وتخالف»، وصولاً إلى «عجبين عصابة»، و«حبيبي الغالي هاو جاني»، و«جرح المجاريح»، ثم «لأنك تشبه السكر» و«ولا مرة»، قبل أن تبلغ السهرة إحدى محطاتها ذات الشحنة الوجدانية مع «يا ريس البحر استنى».
ولم يكن اختيار هذه الأغاني مجرد استعراض لريبرتوار الفنانة، بل بدا أقرب إلى بناء درامي للسهرة، تتغير خلاله الأجواء والإيقاعات والانفعالات، فيما ظل صوت أمينة هو الخيط الناظم لكل هذه التحولات.
كانت كل أغنية تفتح نافذة على مرحلة من الذاكرة، وكل لحن يستدعي معه جمهوراً يعرف الكلمات قبل أن تبدأ الموسيقى، ويرددها مع الفنانة وكأنه جزء من الفرقة.
أمينة… صوت مميز و شخصية متفردة
لكن إحدى أهم نقاط قوة السهرة لم تكن في الأغاني وحدها، بل في الطريقة التي تعاملت بها أمينة فاخت مع جمهورها.
بعيداً عن الرسميات والمسافة التقليدية بين الفنان والمتلقي، اختارت أمينة العفوية. تحدثت، مازحت، علّقت، تفاعلت، وتحاورت مع الجمهور، تاركة للسهرة مساحة من الارتجال الجميل.
وكان واضحاً أن أمينة لا تحب أن يكون الجمهور مجرد مستمع. لقد أرادته شريكاً في صناعة اللحظة.
تارة تترك له مهمة إكمال مقطع غنائي، وتارة تتفاعل مع هتافاته، وتارة تدخل معه في حوار عفوي يكسر المسافة بين الركح والمدرجات. وفي تلك اللحظات تحديداً، كان المسرح الأثري يبدو وكأنه مساحة حميمة أكثر منه فضاءً ضخماً يحتضن آلاف المتفرجين.
وهذه العفوية تحديداً واحدة من أسرار العلاقة الخاصة التي بنتها أمينة فاخت مع جمهورها على مدى سنوات.
«Urban Dance»… لمسة شبابية تمنع الركح بعداً آخر
وإذا كان صوت أمينة هو مركز الثقل في العرض، فإن فرقة الرقص Urban Dance كانت من العناصر التي منحت الحفل طاقته البصرية والحركية.
فالحضور اللافت للفرقة لم يكن مجرد إضافة استعراضية بين الأغاني، وإنما كان جزءاً من البناء الفني للعرض. انسجام الحركة مع الإيقاع، ودقة الأداء، والحيوية التي ملأت الركح، جعلت الكوريغرافيا عنصراً فاعلاً في صياغة المشهد العام.
وقد بدا واضحاً أن العرض راهن على تكامل العناصر، بحيث لا تكون الموسيقى منفصلة عن الصورة، ولا الأغنية معزولة عن الحركة.
ومن هنا اكتسبت السهرة إيقاعاً خاصاً: صوت أمينة في الواجهة، موسيقى حية في الخلفية، وراقصون يحولون الإيقاع إلى حركة على الركح.
فرقة موسيقية… حرفية خلف الديفا
وراء أمينة فاخت كانت هناك أيضاً فرقة موسيقية أثبتت أن نجاح أي عرض كبير لا يرتبط فقط باسم الفنان، وإنما بجودة العناصر التي تصنع معه المشهد.
الفرقة الموسيقية، بقيادة يوسف بالهاني، قدمت أداءً مميزاً اتسم بالدقة والحرفية والقدرة على مرافقة أمينة في الانتقالات المتعددة بين الأنماط والإيقاعات.
وكان لافتاً كذلك حضور عازفين جزائريين ضمن التشكيلة، وهو ما أضفى على الفرقة تنوعاً موسيقياً انعكس على الأداء العام.
لقد بدت الفرقة في كثير من اللحظات وكأنها تتحدث اللغة نفسها التي تتحدث بها أمينة: تعرف متى تترك للصوت مساحته، ومتى تتقدم الموسيقى إلى الواجهة، ومتى تصنع خلفية إيقاعية تسمح للفنانة بالتحرك بحرية.
وهذه الحرفية كانت ضرورية خصوصاً في حفل يعتمد بدرجة كبيرة على التفاعل المباشر والانتقال السلس بين الأغاني.
حين تتكامل الموسيقى مع الصورة
ما ميز سهرة أمينة فاخت في قرطاج هو أنها لم تُبنَ على عنصر واحد. كان هناك صوت الفنانة، وحضورها المسرحي، والكوريغرافيا، والفرقة الموسيقية، والإضاءة، والأهم من ذلك كله جمهور يعرف جيداً ماذا يريد من أمينة.
لذلك بدا العرض أقرب إلى عمل موسيقي فرجوي متكامل، وليس مجرد حفل غنائي تقليدي.
وفي قلب كل ذلك بقيت أمينة فاخت كما يعرفها جمهورها: حاضرة بقوة، عفوية، قريبة، وقادرة على إدارة الركح من دون أن تفقد طبيعتها.
قرطاج… ليلة أمينة فاخت بامتياز
ربما كان أجمل ما في هذه العودة أن أمينة لم تحاول أن تثبت شيئاً. و لم تكن بحاجة إلى ذلك.
فالجمهور الذي استقبلها بعد ثمانية أعوام من الغياب كان يعرف لماذا جاء، وهي كانت تعرف جيداً ماذا ينتظر منها.
بين أغنية وأخرى، وبين تصفيقة وأخرى، بدا أن ثمة ذاكرة مشتركة تُستعاد من جديد.
وعندما ترددت كلمات «ولا مرة » في فضاء المسرح الأثري، لم يعد الأمر مجرد أداء لأغنية، بل أصبح لحظة وجدانية جماعية، تختصر علاقة طويلة بين فنانة وجمهور، بين صوت وذاكرة، وبين أمينة فاخت وقرطاج.
لقد أثبتت سهرة 17 أوت أن الغياب لا يقتل العلاقة الحقيقية بين الفنان وجمهوره، بل قد يجعل لحظة اللقاء أكثر قوة.
وعندما غادرت أمينة الركح، لم يكن من السهل اعتبار الحفل مجرد ليلة أخرى من ليالي المهرجان.
لقد كانت ليلة أمينة فاخت بامتياز: صوتٌ يعرف طريقه إلى الذاكرة، موسيقى حية يقودها يوسف بالهاني بحرفية، رقص يملأ الركح بالحياة، وجمهور شارك الفنانة الغناء والضحك والحنين.
وبعد ثمانية أعوام، عادت أمينة إلى قرطاج. لكن الأهم أنها وجدت أن قرطاج لم ينسَ أمينة.
إيناس





