بات واضحا جدا أن السياسيين في هذه البلاد أو لنقل من ينتمون إلى الإئتلاف الحاكم والمقربون منهم يستخفّون بعقول الناس ويدافعون غالبا عمّا لا يمكن الدفاع عنه . وهذا الأمر يتجلّى من خلال الأسباب التي تعلل بها البعض لتبرير ” التغيّب ” عن جلسة سدّ الشغور في الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات التي لم يكتب لها أو بالأحرى لم ترد لها بعض الأطراف أن تتمّ بدعوى عدم اكتمال النصاب القانوني .
والحقيقة التي لم تعد خافية اليوم على أحد أن هناك خلافات حادة حول الأسماء المرشّحة للمنصبين الشاغرين المتبقيين ( القضاء العدلي والأساتذة الجامعيين ) بين عدّة أطراف يصرّ كل منها على تعيين ” ممثّليه ” في هيئة ( ويا لسخرية الأقدار ) من المفترض بكافة مقاييس الدنيا أن يكون أعضاؤها محايدين ومستقلّين عن أي طرف سياسي مهما كان حفاظا على نزاهة أيّة عملية انتخابية وعلى شفافيتها . ولعلّ الطرف الذي كان أكثر إصرارا على تعيين ” جماعته ” هو نداء تونس ومن هنا جاء الخلاف الذي لم يستطع أحد أن يتجاوزه فحدث ما حدث وتغيّب من تغيّب ولممّة تتم الجلسة وتأجّلت إلى أجل غير مسمّى سيكون حتما بعد فوات الأجل القانوني لإجراء سدّ الشغور .
ولعلّ من مظاهر الاستخفاف بعقول الناس أيضا تعللّ رئيس الجمهورية بأن إصدار الأمر الترتيبي لدعوة الناخبين إلى الانتخابات مرتبط باستكمال سدّ الشغور داخل الهيئة والحال أن الأمرين يختلف كلاهما عن الأمر الآخر . فإصدار الأمر الترتيبي ليس له أيه علاقة سببية مباشرة مع استكمال تركيبة الهيئة . ولنفترض مثلا أن هذه الهيئة وزارة رحل عنها وزيرها لسبب من الأسباب فهل يصدر الرئيس أو غيره أمرا بإيقاف كافة أعمال تلك الوزارة بدعوى أنه ليس على رأسها وزير ؟. طبعا لا يمكن ذلك . وهيئة الانتخابات ليست مؤسسة لشخص معيّن أو شخصين أو ثلاثة . وقد كان على رئيس الدولة إصدار الأمر ثم يأتي إجراء سدّ الشغور في ما بعد لأن إصدار الأمر له أجل معيّن دستوريا أما سدّ الشغور فيمكن القيام به بعد إصدار الأمر ولا ضرر في ذلك من الناحية الدستورية .
نعود الآن إلى مسألة الوفاق الذي لم يحصل حول الشخصيات المرشحة لسدّ الشغور . فلو كانت النوايا صادقة والإرادة متوفّرة لاستكمال هذا المسار لما تعطّلت الأمور لأنه كان ( حسب العارفين ) عدّة طرق أخرى لتجاوز هذا الإشكال . وعلى فرض أنه لم يقع الاتفاق على اسم معيّن فقد كان على ” الجماعة ” أن تستبعد الأسماء التي حولها بعض الشكوك أو الشبهات ثم تجري قرعة بين الأسماء المتبقيّة لتعيين أحدها في الموقع المطلوب أو إجراء قرعة تشمل الجميع وليكن الحظ إلى جانب من يريد . وإذا استحال هذا الإجراء ( اسبعاد وقرعة ) ألم يكن من الأفضل أن نستبعد كافة الأسماء المرشّحة التي يمكن أن يجد لها أي طرف سببا للتشكيك فيها بما أنها لا تخدم مصلحته ودعوة المعارضة أصلا إلى تقديم مرشّحين لا أحد يعتقد أنهم ” سيلعبون ” بالانتخابات .
وما نقوله في هذا الباب ليس عبثا أو أفكارا نزلت علينا فجأة من السماء بل هي مقترحات تمّ تقديمها إلى المعنيين بالأمر الذين رفضوها برمّتها بما أوحى بأن هناك نيّة مبيّتة وإصرارا قطعيا على أن لا يتمّ سدّ الشغور وعلى أن لا يصدر رئيس الجمهورية الأمر الترتيبي وبالتالي لن تجرى الانتخابات في موعدها ولا هم يحزنون . وقد أوحى هذا التصرّف أيضا بأن هناك ” عمل ” ما يدور في مكان ما يرمي إلى إعادة توزيع مواقع القوّة والقرار ولن يتسنّى ذلك إلا من خلال تأجيل الانتخابات أو ربما عدم إجرائها أصلا .
جمال المالكي