في عالمٍ لم تعد فيه الجبهات تُقاس بالكيلومترات، بل بالنبضات الرقمية والشيفرات غير المرئية، تبرز إيران كلاعبٍ يتقن فن “المستحيل الممكن”، فبينما تستعرض الولايات المتحدة عضلاتها التكنولوجية من خلال “عمالقة السيليكون فالي”، وتفتخر إسرائيل بدقة خوارزمياتها “الباردة” في التتبع والاغتيال، اختارت طهران مساراً مختلفا من خارج الصندوق يمزج بين التكنولوجيا الحديثة وروح “حرب العصابات” الرقمية، مع اعتماد متزايد على الذكاء الاصطناعي.
إن المقارنة هنا ليست صراعاً بين آلة وآلة، بل هي مواجهة بين “وفرة الموارد” و”ذكاء الحاجة”. فالولايات المتحدة تمتلك الذكاء الاصطناعي المؤسسي، ذلك العملاق الذي يتغذى على ميزانيات فلكية وبيانات كونية، وإسرائيل توظف الذكاء الاصطناعي كأداة للقيام باغتيالات دقيقة، لكن إيران، وبشهادة تقارير متخصصة غربية رصينة (مثل تقارير Mandiant و Microsoft Threat Intelligence) طورت ذكاءً اصطناعيا “هجينا”.
إيران لا تحاول التفوق في عدد الرقائق الإلكترونية أو سرعة الحواسيب الخارقة، بل تبرع في “الذكاء الاصطناعي غير المتماثل” حيث أنها تستخدم الخوارزميات لاختراق الفجوات النفسية والاجتماعية لخصومها، وتحويل منصات التواصل إلى ميادين تأثير عابرة للحدود بلمسة إنسانية مضللة يصعب على الفلاتر التقليدية رصدها.
في الحرب السيبرانية، تدرك طهران أن أصغر ثغرة في جدار حماية “تيتانيوم” أمريكي يمكن نفاذها عبر برمجية بسيطة ولكنها “ذكية” في توقيتها واستهدافها. وبينما يعتمد الغرب على “الأتمتة” الكاملة، تُبقي إيران “العنصر البشري” في قلب العملية السيبرانية، مما يمنح هجماتها طابعاً مرنا لا يمكن التنبؤ به، إنها مقارنة شبيهة بين من يمتلك “أفخم سيف” ومن يمتمد “أذكى خنجر”، في هذه الحرب غير المتماثلة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد كود برمجي، بل صار امتداداً لإرادة سياسية تعرف كيف توجع الخصم بأقل التكاليف، محولةً العزلة التقنية إلى مختبر للابتكار من خارج الصندوق.
إن ما تمتلكه إيران اليوم ليس مجرد “جيوش إلكترونية”، بل فلسفة دفاعية ترى في الفضاء الرقمي ساحة لتحقيق توازن قوى لم تستطع الجغرافيا التقليدية توفيره، حيث تصبح الخوارزمية هي السلاح الذي لا يخطئ بوصلة الضعف البشري لدى الخصم.
محجوب لطفى بلهادى :متخصّص فى التفكير الاستراتيجى

