احتضنت القلعة الكبرى حراكاً ثقافياً استثنائياً اتخذ من مسرح “كورتينا” فضاءً لمساءلة الذات البشرية في أقصى تجلياتها، حيث أشرف محمد علي الصغير، رئيس تحرير مساعد بمجلة Réalités مساء الأحد على لقاء تفاعلي عميق حول مسرحية “جنون” بحضور المخرج الفاضل الجعايبي والمندوبة الجهوية للثقافة بسوسة جليلة العجبوني والدكتور زهير بن تردايت، وذلك في إطار الدورة الثامنة لتظاهرة مسرح مائة كرسي التي ينظمها مسرح كورتينا بإدارة المخرج محمد علي سعيد والتي بحثت في التقاطعات الشائكة بين التعبير الفني والتدخل العلاجي.
وقد مثل هذا اللقاء فرصة استكشافية هامة لجمهور من الجامعيين والطلبة والباحثين في علم النفس لإعادة النظر في الوظائف التي يؤديها الفن حين يقتحم الأطر الطبية الصرفة، انطلاقاً من تجربة “جنون” التي ولدت من صلب الواقع عبر كتاب “يوميات خطاب فصامي” للأخصائية ناجية الزمني.
وفي حديثه عن سيرة هذا العمل، استذكر الجعايبي كيف تحولت معاناة شخصية مصابة بالفصام إلى نص مسرحي صاغته جليلة بكار برؤية غاصت في التفاصيل الدقيقة للألم الإنساني، مما جعل العرض يتحول من حالة محلية إلى علامة فارقة جابت مسارح العالم وأثبتت أن الصدق الفني هو المفتاح الوحيد لصياغة لغة عالمية يفهمها الجميع. واعتبر المخرج أن المقاربة التي سعت المسرحية لتكريسها تكمن في “أنسنة المرض”، حيث يتم التعامل مع الشخص كإنسان قبل أن يكون مصاباً، كاشفاً أن صاحب الحالة الحقيقي واكب العرض في لحظة تطهير ذاتي نادرة تبرز قدرة المسرح على تحقيق مصالحة المريض مع نفسه عبر منح الكلمة لمن سُلبت منهم في الأطر الطبية المغلقة والمستشفيات التي قد تزيد من حدة العزلة.
وعلى مستوى الأبعاد الدرامية والسياسية للعمل، بيّن اللقاء أن تحويل ملف صحي يمتد لخمسة عشر عاماً من المعاناة إلى عمل ركحي لم يكن بالأمر الهين، خاصة وأنه يطرح تساؤلات حارقة حول سطوة السلطة الأبوية التي تمثل نموذجاً مصغراً لسطوة النظام، حيث يظهر “الجنون” في المسرحية كرد فعل طبيعي على واقع غير منطقي يتسم بالتهميش وغياب التواصل وعنف الأب وعجز الأم.
ولم تقتصر النقاشات على الجانب الفني، بل تعززت بمشاركة الدكتور عبد الباسط التواتي الذي تقاطع مع الجعايبي في أهمية استخدام الفن كأداة لترميم “الأنا المحطمة” وتقدير الذات بعيداً عن البروتوكولات الدوائية الجافة، مؤكداً نجاعة هذه المقاربة في علاج الإدمان والتعامل مع طيف التوحد.


