في الأيام الأولى التي استمعت فيها إلى ديك تشيني يقول إن الدولة تحتكر العنف كانت حيرتي كبيرة ، ولم أجد لها وصفا ، كنت أتساءل كيف لأمريكي تربى في تربة اليمين الأمريكي المتشدد أن يستعمل مقولة ماركسية ، لان الماركسية هي من دون الايديولوجيات التي نبتت في القرن التاسع عشر اعتبرت أن الدولة وحدها من حقها قانونا وشرعا أن تستعمل العنف.ثم فهمت بعد ذلك أن الدول الحديثة لم يعد يعنيها من الايدولوجيا إلا ما يساعدها على أن تبقى وتستمر ، مهما كانت طبيعة النظام الذي يديرها .
استعمل الباجي قايد السبسي في أولى ظهوره عبارة استعادة هيبة الدولة ، وكان يعني بها تقريبا ما كان يعنيه بن علي ، أي العودة لاستعمال حق الدولة في تسليط العنف على من يعارضها.وفعلا ومنذ مدة استعاد الجهاز الأمني جزء لا يستهان به من طرق تصرفاته القديمة.ورغم أن البلاد لم تخرج من حالة الثورة .إلا أن الوزير الأول المؤقت يتصرف كأنه وزير شرعي منتخب يصدر أوامره للبوليس كي يقمع المظاهرات تماما كما كان يفعل بن علي .
فكرة هيبة الدولة من منظور البورقيبي قايد السبسي لا علاقة لها بفكرة الدولة التي تستمد شرعيتها من الشعب ، إنها فكرة قديمة موروثة من عهود سحيقة تعتبر الدولة خليفة الله على الأرض.فهي تحيي وتميت وتنشئ وتدمر وتزوج الناس وتعطيهم رزقهم.وتبني لهم الديار وتسجنهم
ولا علاقة لهذه الهيبة الميتافيزيقية بهيبة الدولة الحديثة التي تتأسس على احترام من ينتخبها والاستماع إليه وتستمد قوتها من التفافه حولها ومساندته واقتراحاته .
وبهذا يبدو أن وجود شخص مثل الباجي قايد السبسي على راس هذه الحكومة المؤقتة والتي أوكل إليها إعداد الانتخابات هو خطر ليس على الثورة فقط وإنما على الانتخابات نفسها .
فالثورة التي قامت على مبدأ تطهير البلاد من الفساد تضعها رؤية السبسي في خطر لأنه يعتقد انه مكلف من قوة غيبية لقيادة البلاد ويفشي في أعوانه ومن يحيطون به هذه القناعة بأنهم ورثة هذه البلاد بعبادها وأرزاقها.لهذا لا يحس الوزير الأول المؤقت بحرج في حماية سارق أو التستر على مجرم.فما دام أعوانه ومساعديه فليس مهما ما هي أفعالهم في الناس.المهم أنهم أعوانه ويأتمرون بأمره.ومستعدون للموت من اجله .
كذلك هو خطر على الانتخابات.لأنه يعرف بالضبط ماذا يعني ان تنسحب فكرة سيادة الدولة من كونها كائن لاهوتي إلى كونها جهاز تتحكم فيه الإرادة الشعبية.لذلك هو يشع حوله ومن خلال معاونيه ومسانديه ان ما بعد الانتخابات هي قفزة في المجهول.في كل مكان يعاودونها دون حياء ان هذه الانتخابات يمكن ان تلد غولا.وهم وعلى مدى الأربعة اشهر الماضية كل ما كانوا يفعلونه هو أما ابطال هذه الانتخابات او تلويثها او تلغيمها باستفتاء يقزم من صلوحيات المجلس التأسيسي.ويعطي لحكومة انتقالية على رأسها السبسي صلوحيات أوسع تقريبا صلوحيات نوفمبرية ..
لا احد يقول للباجي قايد السبي انه رجل جاء من القرون الوسطي يستفتي في بداية القرن الواحد والعشرين. حكومة مؤقتة بعقلية القرن الثالث عشر تتدخل في شؤون شعب متقدم عليها بسبعة قرون
فهل سيطول صبرنا عليه.أم إننا سنأخذ مصيرنا بأيدنا ونسلمه إلى إدارة التراث .
الامجد الباجي
