يتطلب إدخال التقنيات الجديدة وقتًا غير قابل للاختزال للتكيف، ويصطدم حتمًا بالتشكك الأولي من جانب المجتمعات. هذا هو الاستنتاج الرئيسي الذي خلُص إليه توماسو دي جيوفاني، نائب الرئيس المسؤول عن الاتصالات والشؤون العامة في شركة فيليب موريس إنترناشيونال (PMI).
الابتكار في مواجهة تحدي التشكك المجتمعي
وفي كلمة ألقاها خلال فعاليات “تكنوفيشين خالٍ من الدخان” (Technovation Smoke-Free) التي نظمتها شركة “بي إم آي” في 24 يونيو 2026 بالرباط في المغرب، عقد توماسو دي جيوفاني مقارنة مع عدة اختراعات بارزة. واستحضر بشكل خاص حالة حزام الأمان الإلزامي في سويسرا؛ فرغم رفضه الأولي من قِبل السكان، انتهى الأمر بتبني هذا الإجراء عبر استفتاء شعبي.
وقال: «لا يقتصر هذا الأمر على حزام الأمان وحده… هناك مسألة استبدال مصادر الطاقة التقليدية بأخرى مثل الطاقة الشمسية… نحن نتحدث عن هذا منذ 20 عامًا… وهناك نقاش تقني مهم… حتى بالنسبة للساعات الذكية… فهي تمتلك إمكانات هائلة للصحة العامة… ومع ذلك هناك الكثير من الجدل حول هذا الشيء… ألسنا متأخرين مقارنة بما يمكننا فعله حقًا؟ إن الجدل الدائر حول النيكوتين والتبغ لا يختلف كثيرًا عن ذلك».
وفي هذا السياق، كشف نائب رئيس شركة “بي إم آي” أن الشركة طورت أول سيجارة إلكترونية خلال القرن العشرين. ويعود تاريخ أول نموذج أولي للسيجارة الإلكترونية القائمة على مبدأ التبغ المسخن (والذي أطلق عليه اسم Accord/Oasis) إلى عام 1998. وتلا ذلك تطوير الشركة لنموذجين أوليين آخرين في عامي 2002 و2006. وكان هذا دافعًا لشركة فيليب موريس إنترناشيونال لتأسيس والكشف عن مركز أبحاثها وتطويرها ومقره سويسرا في عام 2009.
ووفقًا للسيد دي جيوفاني، فإن هذه الخطوة تمثل تحولاً نحو شركة تقودها العلوم والتكنولوجيا. وأضاف قائلاً: «لماذا لم ينجح الأمر من قبل؟ الإجابة بسيطة: المجتمع لم يكن مستعدًا… والمذاق لم يكن نفسه، والإحساس في الفم لم يكن نفسه… والأهم من ذلك: المستهلكون لم يكونوا مستعدين».
الانتقال إلى مجموعة “آيكوس” (IQOS)
وفي معرض حديثه عن المحاولات الأولى لإدخال منتجات مجموعة “آيكوس” إلى السوق، أوضح نائب رئيس الشركة أنه لم يكن هناك يقين بشأن درجة ضرر التبغ المسخن في ذلك الوقت. واقتصرت الحجج التجارية حينها بشكل أساسي على الجوانب المتعلقة بالاستخدام، وتحديدًا غياب الدخان وانبعاث رائحة أقل إزعاجًا.
ورغم البدايات الحذرة، تسارع الانتشار العالمي لهذه التكنولوجيا بشكل هائل خلال عقد من الزمن:
-
في عام 2016: تواجدت في بلدين فقط وضمت 1.4 مليون مستخدم.
-
اليوم: تتوفر في 108 دول وتضم أكثر من 43 مليون مستخدم.
وبات هذا التحول يمثل الآن ركيزة مالية رئيسية، حيث يدر أكثر من 40% من صافي إيرادات المجموعة.
وللوصول إلى هذه المرحلة، قامت الشركة بتوظيف أكثر من 1600 من الكفاءات العلمية والتقنية (مهندسون، باحثون، ووظائف دعم). واليوم، تخصص الشركة 99% من نفقاتها للبحث والتطوير في مجال البدائل الخالية من الدخان.
وأشار توماسو دي جيوفاني إلى أن شركة فيليب موريس إنترناشيونال استثمرت أكثر من 16 مليار دولار في مجالات البحث والتطوير وتسويق المنتجات الخالية من الدخان منذ عام 2008. وفي إطار هذا النهج، وظفت الشركة أكثر من 1600 كادر في البحث والتطوير، بما في ذلك المهندسين والعلماء والفنيين ووظائف الدعم، مع تخصيص 99% من الإنفاق على البحث والتطوير للأنشطة الخالية من الدخان.
التحديات الخاصة بالدول الناشئة
وأكد نائب رئيس الشركة قائلًا: «يضم العالم أكثر من مليار مدخن… 80% منهم يتواجدون في الدول الناشئة… والسؤال الحقيقي هو: هل يمكننا تسريع التغيير حتى يتمكن هذا المليار مدخن من الوصول إلى منتجات أفضل بكثير لصحتهم وتشجيعهم على استخدامها؟ كيف نصل إلى ذلك؟ إننا نستثمر ونغير شركتنا بالكامل… يجب على الجميع التوجه نحو نفس الاتجاه… ما الذي يمكن أن يساعد في هذا التغيير؟ معلومات واضحة ومفهومة».
وشدد دي جيوفاني على أهمية إجراء الدراسات ونشر نتائجها لإعلام الجمهور، كما أشار إلى أهمية تبسيط هذه المعلومات وتكييفها مع المستهلكين. وتطرق أيضًا إلى مسألة أسعار مجموعة “آيكوس”، معتبرًا أنه من الممكن مراجعة النظام الضريبي في بعض الدول لجعلها بديلًا أكثر سهولة ومتاحًا ماديًا مقارنة بالسجائر التقليدية.
التنظيم والسيادة المحلية
وقد تعمق تايلان سوير، المدير العام لمنطقة المغرب العربي في شركة “بي إم آي”، في هذه النقطة المتعلقة بالإتاحة؛ حيث يرى أن توفر المنتج يتجاوز مجرد متغير السعر، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإطار التنظيمي الوطني.
وقام ببناء استراتيجية إتاحة بدائل السجائر التقليدية حول 3 محاور أساسية:
-
المعلومة: توعية المستهلك وإعلامه.
-
القبول: تقديم منتج يحظى بمذاق وتجربة استخدام مقبولة من قِبل المدخنين («يمكننا امتلاك أفضل منتج، ولكن إذا لم يستخدمه أحد…»).
-
التوفر: ضمان عملية شراء بسيطة وسلسة.
علاوة على ذلك، أشار تايلان سوير إلى أن التدخين نشاط اجتماعي يحدث في المقاهي أثناء مشاهدة مباراة كرة قدم أو بعد الإفطار، مما يبرز أهمية القبول الاجتماعي لاستهلاك منتج معين؛ إذ ليس من السهل على المدخن مغادرة مجتمعه المحيط به.
وأصر قائلًا: «لا ينبغي فرض الابتكار أو إقحامه قسرًا… فما ينجح في اليابان لن ينجح بالضرورة في تونس أو المغرب… وما يظل أكثر أهمية هو المعلومة الواضحة… يجب أن تحافظ دول الجنوب على سيادتها… فلها الحق في أن تقرر بنفسها الحلول التي تريد تطبيقها… وهي ليست ملزمة بعملية النسخ واللصق… لا يجب أن تكون إفريقيا مستوردًا للأفكار… بل يجب أن تساهم إفريقيا في الابتكار».
وأفاد سوير بأن شركة فيليب موريس إنترناشيونال لا يمكنها إحداث التغيير بمفردها، موضحًا أن الأمر يتعلق بعمل جماعي يتضمن عدة مراحل، ومشددًا على أهمية مشاركة وسائل الإعلام والخبراء وصناع القرار والمصنعين في هذه العملية.
العلم والسيادة: رفع العقبات أمام التحول
وبالتوازي مع مداخلات مسؤولي الشركة، تميز الشق العلمي بمداخلة ديفيد خياط، بروفيسور أورام السرطان في جامعة بيير وماري كوري (فرنسا). وتناول الأخير بالتفصيل الأفكار المغلوطة المحيطة بالنيكوتين، مؤكدًا أن هذه التصورات الخاطئة تشكل اليوم العقبة الأساسية أمام بزوغ فجر مستقبل خالٍ من الدخان.
من ناحية أخرى، ركزت جلسة نقاشية ثانية ضمت أطباء بارزين، من بينهم البروفيسور التونسي في العناية المركزة أمان الله المسعدي، على المسألة الحيوية المتعلقة بالسيادة الإفريقية في اتخاذ القرار بشأن السياسات الصحية. ووفقًا لهؤلاء الخبراء، فإن هذا الاستقلال الاستراتيجي يعد أمرًا لا غنى عنه، لأنه سيتيح أخيرًا لدول القارة صياغة حلول ملموسة تتكيف مباشرة مع واقعها المحلي.
وعلى هامش المؤتمرات، خصصت الشركة أيضًا عدة مساحات عرض لتقديم مجموعتها الكاملة من المنتجات والبدائل للسجائر التقليدية. ومن أجل توضيح هذه التطورات التكنولوجية بشكل ملموس، قُدم عرض توضيحي تقني للمشاركين باستخدام آلة تجريبية صغيرة. وأتاح هذا الجهاز رؤية الفرق الجوهري، على مرشح (فلتر) اختبار، بين المخلفات الناتجة عن احتراق سيجارة تقليدية وتلك الناتجة عن مجرد تسخين التبغ.
ومنذ أكثر من 30 عامًا، تسخر شركة “بي إم آي” التكنولوجيا والعلم لخدمة تطوير وتقييم وتسويق بدائل أقل ضررًا للسجائر. وقد وضعت الشركة نصب عينيها هدفًا يتمثل في رفع حصة المنتجات الخالية من الدخان لتصل إلى ثلثي إجمالي صافي رقم معاملاتها بحلول عام 2030.
س.ڨ













