الحصري : أبو يوسف
الى زمن غير بعيد ، كان السواد الأعظم من الشعب يعارض الرأي القائل بأن الكذب من قيم السياسة . لكن ومن خلال البرامج السياسية التي بثت على فضائياتنا مؤخرا تغيرت القناعات وبان بالكاشف أن الكذب وقلة الأدب صارتا من الصفات المميزة لجيش القيادات السياسية التي غزت فضائياتنا منذ سقوط نظام المخلوع . فعندما ينحدر مستوى الخطاب السياسي بين الفرقاء الى درجة نعت الخصوم لبعضهم البعض بالكذب والزور والزندقة والارتزاق والعمالة والاجرام والفساد و”الخماج ” والنفاق وغيرها من مصطلحات ” الشوارع ، لا يمكن في هذه الحال ان نشبه الحقل السياسي بمن فيه الا “بالماخور السياسي ” اين تحاول ” العاهرات ” ادخال الحرفاء الى شققهن المفروشة بكل الطرق والاغراءات .
فرقاء السياسة في تونس ظهروا خلال الأيام الاولى للثورة بصورة ملائكية تفيض من وجوههم التقوى ، وطالما تشدقوا بقيم الاخلاق والآداب لكن الايام كشفت ان تصريحاتهم كانت مجرد مساحيق تجميلية ” من النوع الفالصو ” استعملوها للكذب على الشعب التونسي والضحك على الذقون .
لن نستعرض مجددا حادثة شتم منصف المزوغي لمحرزية العبيدي في قناة تونسنا ولن نقف مرة أخرى على ” زلعات ” لطفي زيتون السابقة في قناة حنبعل أو سخافات البحري الجلاصي على قناة التونسية أو ما تلفظ به محسن مرزوق تجاه وزير الفلاحة أو المواقف المتطرفة لباعث القناة ” الممنوعة على المحجبات ” لان المجال لا يكفي لذلك ، لكن أن يصل الامر الى حدود اللعن على المباشر فهذا يتطلب من الجميع اشعال نواقيس الخطر قبل أن تسقط البلاد في منزلق الحرب الاهلية . فاللقطة التي أتاها الامين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي مباشرة على التلفزة الوطنية عندما ” لعن ” وزير الخارجية رفيق عبد السلام قبل غلق سماعة الهاتف لا يمكن ادراجها الا في سياق الماخور السياسي وقلة الأدب وهي مسيئة لصورة الاتحاد المنظمة النقابية العريقة قبل ان تسيئ لوزير الخارجية . من حق السيد حسين العباسي ان يعبر عن غضبه تجاه احداث بطحاء محمد علي ومن حقه ايضا ان يدافع عن اتحاد فرحات حشاد الذي صار كغيره من المنظمات والاحزاب مخترقا من قبل بعض المخربين ، لكن ليس باللعن والشتم والظهور في ثوب ” الباندي” . على الطرف المقابل ظهر وزير الخارجية كاليتيم المسكين خانعا في كل المنابر الاعلامية و لا ندري متى يريح عيون المشاهدين من ظهوره الاعلامي المتكرر شأنه شأن عديد الوزراء في الحكومة الذين يتوافدون على مقرات التلفزات اكثر من مكاتبهم في الوزارات وبسبب ذلك فقدوا هيبتهم ويصرون على ” تسميع الكلام ” في البلاتوهات عوض فتح الملفات .
عار ما يفعله فرقاء السياسة اليوم من توزيع للتهم والشتام ، وعار عليهم ان يتاجروا بأحلام الضعفاء والمساكين . سكتب التاريخ ما صنعوه بشعوبهم و نذكرهم
بحادثة تشرشل الذي كان دائم السخرية من هؤلاء الذين يريدون دائما ربط السياسة بالأخلاق العامة، حتى إنه حينما كان في زيارة للهند وقام بمشاهدة قبر الزعيم الكبير غاندي وقرأ عبارة مكتوبا عليها:
«هنا يرقد رجل نبيل وسياسي عظيم».. قال ساخرا: عجبا.. كيف يرقد رجلان في قبر لرجل واحد!
