تتمتع مسألة الموارد الطبيعية والثروات في تونس بتلك العادة المزعجة المتمثلة في تحويل الجميع فجأة إلى خبراء في الجيوبوليتكا والطاقة. وبين تحليلات لا أصل لها، وتعليقات لمتصوّفة أو واهمين، ونظريات مؤامرة، تحول الموضوع إلى مسلسل حقيقي يواصل تأجيج العواطف الحزينة في البلاد.
حتى إن سرقة الثروات الطبيعية ونهبها قد استُخدِمت كسلعة سياسية رخيصة، مما أدى إلى تنظيم حركات عبادية مثل حملة “وينو البترول” الشهيرة، وذلك بهدف دغدغة مشاعر المواطن البسيط الذي يبحث عن كباش فداء سهلة.
وها هي تطفو على السطح مجدداً! فهذه المرة، حقل المنزه الصغير، الواقع في ولاية نابل، هو ما أثار حماسة العديد من التونسيين. وقد اندلعت هذه الضجة بسبب منشور بسيط في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية.
ولم يكن يتطلب الأمر أكثر من ذلك للإيقاظ من ادعوا حماية المصلحة العامة على شبكات التواصل الاجتماعي، وهم يصرخون منددين بفضيحة دولة ذات أبعاد كونية. ولكن، ما حقيقة الأمر في الواقع؟
1 – دراسة تعود لعام 2001:
لكي نستوعب الوضع بشكل صحيح، يجب علينا القيام برحلة صغيرة نحو الماضي. فقد تم اكتشاف حقل المنزه في عام 1998، في بني خلاد. وفي عام 2001، قام مجلس إدارة الشركة التونسية للأنشطة البترولية، بعد الحصول على موافقة حكومة ذلك الوقت، بالترخيص لاستغلاله من قبل شركتين وهما:
- إيكوميد بتروليوم (Ecumed Petroleum)، وهي فرع لشركة “كنداكس إنرجي المحدودة” (Candax Energy Limited)، وتمتلك 37.5% من الأسهم.
- إكسويل (Exxoil)، وهي شركة تونسية تابعة لمجموعة “سيتكار” (Setcar)، وتمتلك الـ 62.5% المتبقية.
وقد مُنح الترخيص بالطبع إثر إيداع ملف مستوفٍ للشروط، والذي تضمن خطة استثمار وعرضاً تقنياً. ويُقال أن المؤسّسة التونسيّة للأنشطة البتروليّة كانت قد كلفت بدراسة خاصة بها لجس نبض الأرض بعد فترة وجيزة. فماذا كان حكم الخبراء منذ البداية؟ هذا الحقل لن يُحدث أيّ ثورة ولن يحقق أي نجاح يُذكر، فالجدوى الاقتصادية غير متوفرة فيه.
2 – حالة نضوب:
إذن، انطلق الشريكان في هذه المغامرة منذ عام 2001 وفقاً للأصول وبمباركة جميع الجهات الوصية على الملف، وهي وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، وبالطبع الشركة التونسية للأنشطة البترولية.
صحيح أن رخصة الاستغلال مُنحت على الورق لمدة 30 عاماً، إلا أن واقع باطن الأرض عنيد: فقد أُعلن الحقل رسمياً في حالة نضوب، وذلك منذ عام 2007!
وما هي النتيجة؟ إن “إلدرادو” المنزه المزعوم لم يعمل بالكاد سوى ست سنوات، ليقذف بجهد أنفاسه 1.8 مليون برميل طوال تلك الفترة. وانتهى العرض. وبعد عشرين عاماً، وتحديداً في عام 2021، أعلنت شركة “كنداكس إنرجي المحدودة” إفلاس فرعها “إيكوميد بتروليوم”.
وهذا الحدث مفهوم تماماً بالنظر إلى تكلفة الاستثمارات اللازمة لاستغلال الحقل. فتوقف الإنتاج لا يعني بالضرورة أن الحقل قد نُضب بالكامل، بل يتعلق الأمر هنا بنشاط غير مربح اقتصادياً.
وبناءً على ذلك، طلبت شركة “إكسويل” التي بقيت وحدها في الميدان، وبشكل منطقي، استرجاع كامل الحقوق بنسبة 100%.
3 – إكسويل تمسك بزمام الأمور:
في مواجهة إفلاس أحد الشركاء وطلب شركة “إكسويل” الاستحواذ على كامل حقوق الاستغلال، لم تكتفِ الشركة التونسية للأنشطة البترولية بوضع يديها على خدّيها، بل عادت للنبش في الملفات المغبرة.
واستناداً إلى الدراسة الأولية لعام 2001، قدرت الشركة العمومية بحكمة أنه من الأفضل ترك شركة “إكسويل” تحاول بمفردها، رافضةً الدخول كشريكة في هذه الورطة. وعلاوة على ذلك، تتمسك الشركة التونسية للأنشطة البترولية بموقف آمن تماماً نظراً لأن القانون التونسي واضح وضوح الشمس. إذ تحتفظ الدولة، عبر الشركة التونسية للأنشطة البترولية، بالحق الذي يضمنه مجلة المحروقات في الاستفادة من الجزء الأكبر من عائدات الإنتاج لأي رخصة استغلال في تونس، أو استرجاعها في أي وقت تقتضي الضرورة ذلك.
4 – إنتاجية مثيرة للسخرية
ولنأتي الآن إلى ذروة العرض، حيث يبدو أن السخافة لم تعد تقتل أحداً على الإطلاق.
في الوقت الحالي، يتسم إنتاج حقل المنزه بالاستقرار التام نحو الصفر، فهو متوقف تماماً. أما بخصوص الإمكانات النظرية المتبقية للحقل؟ فربما لن تصدقوا: إنها لا تتجاوز حتى 1000 متر مكعب في السنة!
وللعلم بأن المتر المكعب المسكين من النفط يعادل 6.3 براميل، فهذا يمنحنا إجمالياً يقل عن 6300 برميل سنوياً، أي ما يعادل أقل من 18 برميلاً في اليوم. لوضع الأمور في نصابها الصحيح، وإيقاظ مهوسي إشعال الفتن على شبكات الإنترنت، فإن الإنتاج اليومي الإجمالي لتونس يدور بهدوء حول 24 ألف برميل يومياً.
باختصار شديد؟ كل هذه الهستيريا الجماعية، وهذه السيول من الشتائم على شبكات التواصل الاجتماعي، وهذه الاتهامات بالخيانة العظمى والصرخات المدوية المفتعلة، قد أُديرت من أجل حفنة من الفتات لا تمثل حتى 0.08% من الإنتاج الوطني اليومي. إنها مجرد عاصفة في فنجان من الماء الآسن، يغذيها مستخدمو إنترنت يبحثون عن إحداث ضجة وفقط. ولنذكر أخيرًا بأنه إذا حدثت معجزة وقامت شركة “إكسويل” باكتشاف كنز حقيقي في تلك النواحي، فإن الشركة التونسية للأنشطة البترولية ستبقى ممسكة بزمام الأمور وصلاحياتها محفوظة وآمنة تماماً.
سفيان ڨوبنطيني

