تعتبر منظمة العفو الدولية –الفرع التونسي انه ثمة فرصة حقيقية للمجلس الوطني التأسيسي كي يجسد في الدستور الجديد رؤيته لتونس جديدة تنبني على حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وعلى سيادة القانون، وتلبي تطلعات التونسيين نحو الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية. وتقول في بيان صادر لها اليوم :
انتخب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي في 23 اكتوبر 2011 بغية صياغة دستور تونسي جديد. وفي اكتوبر 2012، سوف تقدم، للمناقشة النهائية، مسودات أعدت من قبل لجان مختلفة في المجلس الوطني التأسيسي.
و جُرِّد الدستور في السابق من صلاحياته التي تنص على حماية المواطنين من انتهاك حقوقهم، بل وقامت السلطات عوضاً عن ذلك بسن قوانين جديدة ساهمت بقمع التونسيين على نحو أكبر وامتثلت الأجهزة الأمنية والقضائية لأوامر السلطات بدلاً من الاحتكام لسيادة القانون، وكانت بمثابة أدوات لسحق الأصوات المعارضة والمنتقدة. وانتشرت ممارسات التعذيب، واستخدمت قضية مكافحة الإرهاب في تبرير الانتهاكات. وبينما كان يتشدق بحقوق المرأة، إلا أنه في الواقع الفعلي ظل التمييز مكرساً في القانون والممارسة وروّجت السلطات لما أُطلق عليه “معجزة تونس الاقتصادية” على الرغم من حرمان الكثير من التونسيين من أبسط حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وفقد التونسيون جراء ذلك الأمل في محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان، وفقدوا ثقتهم بمؤسسات الدولة التي خيبت ظنهم.
وعلى أعضاء المجلس الوطني التأسيسي ضمان سد الثغرات في دستور البلاد السابق والتصدي لأوجه النقص فيه، وإيجاد ضمانات دستورية أساسية في مجال حقوق الإنسان تكرس حماية جميع الخاضعين لولاية السلطات التونسية من تونسيين وأجانب من التعرض لضروب سوء المعاملة، وتوخي قيام الدستور بإرساء قواعد وأسس متينة لمستقبل جديد قائم على حقوق الإنسان وسيادة القانون.
وتدعو منظمة العفو الدولية الفرع التونسي المجلس التأسيسي إلى توخي شمول الدستور لضمانات أساسية من شأنها توفير الحماية للجميع من كافة أشكال الإساءة التي تعرضوا لها في الماضي، وانتهاكات حقوق الإنسان الأخرى مثل التمييز والتعذيب والاعتقال التعسفي والمحاكمات غير العادلة وانتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والترحيل القسري ويعد رفض التنصيص على كونية وشمولية وعدم قابلية الحقوق الانسانية للتجزئة ،من غالبية اعضاء لجنة التوطئة والمبادئ العامة للدستور في جلستها الأخيرة تهديدا للحقوق والحريات التي تضمنها التزامات البلاد التونسية بمقتضى الاتفاقيات الدولية للقانون الدولي لحقوق الانسان والقانون الدولي الانساني التي صادقت عليها الدولة التونسية .
فحقوق الانسان كونية وشمولية وغير قابلة للتجزئة وضامنة للتنوع والاختلاف وان اعتماد عبارات فضفاضة ومبهمة حول الحقوق والحريات الفردية والعامة واستعمالها كبديل للمبادئ المكرسة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان والاتفاقية الدولية الاخرى ذات العلاقة لا يمكن ان يعتبر إلا محاولة للتهرب من ضمانها.وهي حقوق ساهمت جميع الثقافات والحضارات في نحت مبادئها المتمحورة حول الحرية والكرامة والمساواة .وطورتها نضالات الافراد والجماعات من اجل ان تصبح قيما كونية يتمتع بها الجميع دون أي شكل من اشكال التمييز او الاقصاء .
كما ان رفض التنصيص على كونية الحقوق الانسانية وشموليتها وعدم قابليتها للتجزئة والاقتصار على عبارة حقوق الانسان دون اسنادها الى مرجعيتها الدولية يعتبر تقهقرا الى الوراء عن الفصل الخامس من دستور تونس لسنة 1959 الذي اقرر بكونية وشمولية حقوق الانسان.
و تذكر منظمة العفو الدولية الفرع التونسي المجلس التأسيسي بضرورة التنصيص على ضمان احترام الحقوق الانسانية في كونيتها وشموليتها وعدم قابليتها للتجزئة و ضمان حماية المساواة وعدم التمييز، إلى جانب حماية حقوق الإنسان الأساسية في الدستور التونسي القادم، وأن يضمن محاكمة مرتكبي الانتهاكات أمام العدالة. وبالنسبة لحقوق الإنسان المنصوص عليها في المعاهدات الدولية التي وصادقت عليها تونس او انضمت اليها ، فبوسع المجلس التأسيسي أن يضمن – من خلال الدستور –إنفاذها وتطبيقها والاستشهاد بها والتقاضي على أساسها في المحاكم الوطنية. وبمقدور المجلس أن يضمن أيضاً استقلال القضاء، وإعادة القوى الأمنية وأجهزتها إلى مكانها الطبيعي تحت مظلة القانون وسيادته. ويمكن للمجلس أيضاً أن يضمن ترجمة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى واقع عملي ملموس عوضاً عن أن تبقى مجرد وعود نظرية.
