بقلم: محمد معاذ شارد – متخصّص في إدارة الأعمال وسلاسل الإمداد
لم يعد مضيق باب المندب مجرد ممر بحري عادي، بل تحوّل فجأة إلى فتيل قد يفجر حرباً شاملة من نوع آخر. في هجوم خاطف وغير متوقع، تمكنت جماعة الحوثي من حسم معركة الساحل الغربي، وبسط نفوذها العسكري المباشر على مضيق باب المندب وجزيرة ميون (بريم) التي تقسم المضيق إلى قناتين.
هذه القبضة العسكرية لا تعني مجرد مكسب بري لميليشيا مسلحة، بل تعني وضع ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية والمجنحة المضادة للسفن، والطائرات المسيرة الانتحارية، والزوارق المفخخة، مباشرة على مسافة 20 كيلومتراً فقط من الساحل الأفريقي. إن العالم يواجه الآن سيناريو “الخنق المزدوج”، حيث أصبحت البوابات الشرقية والغربية لشبه الجزيرة العربية (مضيق هرمز وباب المندب) تحت سيطرة طهران بالكامل.
أمام هذا الواقع الميداني المعقد، يقف المجتمع الدولي والقوى الإقليمية أمام ثلاثة سيناريوهات حاسمة تترجح بين التهدئة الحذرة والانفجار الشامل:
-
سيناريو “التثبيت والضغط السياسي” (الأكثر ترجيحاً على المدى القريب):
في هذا المسار، يدرك الحوثيون خطورة إغلاق المضيق بشكل كامل أمام التجارة العالمية لتجنب استدعاء حرب دولية ساحقة ضدهم.
- الآلية: ستقوم الجماعة باستخدام هذا النفوذ كأداة “للضغط الجيوستراتيجي”. حيث أعلنت رسمياً أن الملاحة آمنة لكل السفن باستثناء السفن السعودية.
- الهدف: الضغط على الرياض لرفع الحصار المتبقي تماماً، وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية محلية مع تثبيت نفوذهم على الشريط الساحلي دون الصدام المباشر مع واشنطن.
-
سيناريو “الانفجار والحرب البحرية الإقليمية”:
يتجلى هذا السيناريو إذا قرر الحوثيون تحويل المضيق إلى منطقة “حظر بحري” شاملة تضامناً مع أطراف إقليمية أو رداً على تزايد الضغوط الدولية.
- الآلية: تفعيل بنك الأهداف الحوثي لضرب ناقلات النفط وسفن الحاويات عشوائياً، مما يعني شل حركة الملاحة عبر قناة السويس تماماً.
- الرد الدولي: هذا السيناريو سيفعّل فوراً “التحالف البحري الدفاعي” المشكّل بقيادة السعودية وعضوية 14 دولة، مما سيقود إلى غارات جوية وعمليات إنزال بحري واسعة النطاق لانتزاع السيطرة على الساحل والجزر بالقوة.
-
سيناريو “حرب الاستنزاف المفتوحة وإعادة التموضع”:
وهو سيناريو قائم على عدم قدرة الحوثيين على تحمل الكلفة العسكرية الباهظة للاحتفاظ بجميع المواقع المفتوحة تحت وطأة الغارات الجوية المستمرة.
- الآلية: ستواصل القوات الحكومية اليمنية، بدعم وإسناد جوي إقليمي، ترتيب صفوفها لشن هجمات مضادة من محاور متعددة (مأرب، تعز، والساحل).
- النتيجة: تحول منطقة المضيق إلى ساحة معارك مستمرة وكرّ وفرّ، مما يجعل الإبحار عبر المضيق مغامرة مرعبة ترفع أسعار التأمين البحري وتدفع الشركات الكبرى للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بشكل دائم.
يجد العالم نفسه اليوم أمام معضلة معقدة، فإما القبول بالواقع الجديد والجلوس على طاولة المفاوضات مع القوة الصاعدة في الساحل الغربي لليمن، أو الاستعداد لصدام بحري مرير قد يغير قواعد الملاحة الدولية إلى الأبد.

