استمعت بكل انتباه إلى الحوار الذي أدارته زينة الخميري على الوطنية 1 بحضور ضيفيها كريم الهلالي ” القيادي ” في حزب تحيا تونس وزهير المغزاوي الأمين العام لحركة الشعب . وبقدر ما كان المغزاوي هادئا ومتوازنا في تحاليله كان كريم الهلالي كعادته وفيّا لتلك اللغة ” اللوحية ” ( نسبة إلى اللوح ) التي اعتاد عليها وعوّدنا بها حيثما كان موقعه بين الأحزاب .
الهلالي حاول أن يقنعنا بكل جهده أننا جميعا في هذه البلاد مخطئون وأن السماء زرقاء والعصافير لم تنقطع عن الزقزقة من كثرة نجاحات الحكومة . وقد حاول أيضا أن يوهمنا بأننا نسيء تقدير نجاحات الحكومة لأننا لا نفهم ( مثله ) شيئا في السياسة . وعندما سئل هل إن الشعب التونسي يمكن أن يعيد ” صفع نفسه ” وإعادة انتخاب نداء تونس والنهضة وهو يدرك أن هذين الحزبين ” حققا ” فشلا ذريعا وعلى كافة المستويات وأن يعيد منح الثقة في من لم يكونوا في مستوى ثقته بعد انتخابات 2014 قال : ” نعم إن الشعب التونسي سيعيد منح الثقة في هؤلاء الذين لم تتح لهم الفرصة بتنفيذ برامجهم التنموية بسبب المعارضة وعدة أطراف أخرى … ونحن قادرون على تحقيق وعودنا والخروج بالبلاد من الأزمة التي تردت فيها منذ مدة …”.
لنفترض الآن أن الهلالي ” مقتنع : بما يقول وبأن تلك حدود الله في الفهم السياسي . لكن الهلالي قال كلاما آخر يبدو خطيرا جدا وهو يدلّ إما على عبقرية الرجل وإما على سذاجة ما بعدها سذاجة . فقد قال وبلهجة الواثق من نفسه إنه لن يتغيّر أي شيء في المشهد السياسي بعد انتخابات 2019 مؤكّدا أن الشعب سينتخب ” كافة فصائل النداء ” التي تفرّقت بين القبائل الحزبية وسينتخب كذلك ” اليمين ” الذي تمثّله النهضة جاحدا على الأحزاب الأخرى حقها في الوجود مقللا من قيمتها وخاصة الجبهة الشعبية التي كان واضحا أنه كان يمتعض كلّما ذكرها مكرها .
أما إذا كان هذا الرجل عبقريا فهو يعني أن نفس ” الماكينة ” التي عملت في انتخابات 2014 ستعيد نشاطها لتفرز نفس الوجوه حتى وإن اختلفت بعض التسميات وهذا دليل على أنه ” مطّلع ” وفاهم كيف تدار الأمور في الانتخابات .
وأما إذا كان يستبله الناس فليعلم أن التونسيين تجاوزوا مرحلة الغشاوة وتصديق الوعود الكاذبة والتصويت لكل من يصوّر لهم الدنيا نعيما وهو عاجز حتى عن تحقيق ربع حلم لهم . ولا أريد بصراحة أن أدخل في متاهات النقاش مع شخص يبدو أنه لا يقبل الواقع ولا يؤمن إلا بما في رأسه … فقط أريد أن أختم من حيث ختم المغزاوي الذي قال له : ” كن مطمئنّا سي كريم … المشهد السياسي سيتغيّر كثيرا وفوق ما تتصوّر … وهذه المرة لن ينتخب الشعب من خذلوه ومن فشلوا في تحقيق ولو جزء بسيط مما وعدوا به … وسوف تبرز قوى سياسية أخرى وتفوز على القوى التقليدية بشرط أن تجري الانتخابات في كنف النزاهة والشفافية …”.
جمال المالكي