الشوالي إلى أين ؟
لسنوات طويلة، ظل صوت عصام الشوالي رديفاً للحماس والإثارة الكروية في المنطقة العربية، وماركة مسجلة تُشعل المدرجات وتلهب الحماس وتعد مفخرة للإعلام الرياضي .
غير أن الأمور تغيرت منذ مدة وما صرنا نشهده في مباريات المنتخب التونسي الأخيرة لم يعد يُشبه الشوالي الذي عهدناه. بل كشف عن وجه جديد ومُربك لمعلق فقد بوصلته المهنية، متجاوزاً مهامه الأساسية ليتحول إلى “محلل نفسي وفني” لا يتورع عن الحديث بطرق جماهير “الفيراج”.
بين الوصف والتنظير: ضياع البوصلة
تتمثل مهمة المعلق الرياضي البديهية في مرافقة الصورة، نقل نبض الملعب، ووصف العمليات الكروية بأسلوب يعتمد التشويق لكن دون أن تصادر انتباه المشاهد عن سير اللقاء بمواضيع جانبية أو حشو لا محل له من الإعراب ..إلا أن الشوالي في نسخته الجديدة اختار تقمص دور الفيلسوف التكتيكي أو المحب المتعصب بأساليب غريبة في توقيت غير ملائم. إذ بات يُغرق المشاهد في تفاصيل مُفرطة وتحاليل معقدة وحشو زائد لا مبرر له على الإطلاق أثناء السير الطبيعي للمباراة.
هذا الإسهاب المستمر والتحليل القسري لكل حركة جعل من تعلياقاته مصدر إزعاج وصداع دائم، إلى حد دفع بعض رواد المقاهي التونسية وعشاق الكرة إلى طلب تغيير القناة الصوتية أو كتم الصوت تماماً، بحثاً عن معلق آخر يترك للمباراة حق التنفس، ويمنح المشاهد هدنة من الثرثرة المستمرة.
حنين في غير محله ومقارنات تسقط في فخ المفارقة
لم يتوقف الانزلاق عند حدود التضخم التحليلي، بل تعداه إلى تشويه الذاكرة الرياضية القريبة في محاولات يائسة لاستحضار “الزمن الجميل”. ففي مواجهة تونس الأخيرة أمام بوتسوانا، وأثناء محاولته انتقاد أداء الجيل الحالي، أراد الشوالي أن يرفع من شأن الماضي على حساب الحاضر، لكنه سقط في فخ اختيار أمثلة أقل ما يُقال عنها إنها غريبة ومفتقرة لأي دقة موضوعية.
قارن الشوالي عطاء اللاعبين الحاليين بأسماء مثل ناجح براهم ونبيل تايدر، وكأننا نتحدث عن رموز خالدة في تاريخ الكرة التونسية! فالواقع والأرقام يرويان قصة مختلفة تماماً:
ناجح براهم: مهاجم لم يتجاوز مستواه الفني حدود العادية، ولم يترك بصمة فارقة لا في مشواره الاحترافي ولا خلال مبارياته الـ15 التي خاضها بقميص المنتخب الوطني.
نبيل تايدر: لاعب شارك في 4 مباريات دولية يتيمة دون أن يُحدث أي فارق يُذكر أو يقدم مستويات استثنائية تُخلّد اسمه في ذاكرة “نسور قرطاج”.
أن يُصبح براهم وتايدر معياراً للجودة أو مضرباً للمثل للتقليل من شأن الجيل الحالي، فتلك ليست زلة لسان عابرة، بل دليل على حنين عاطفي مشوّه يفتقر إلى الرصانة التحليلية وإلى ذاكرة كروية تحترم عقول الجماهير التي ما زالت تتذكر أسماء أثرت بالفعل في مسيرة الكرة التونسية.
جرس إنذار قبل خسارة الرصيد
لا أحد يُنكر تاريخ عصام الشوالي أو بصمته الصوتية التي صنعت أمجاداً في تعليق دوري الأبطال والقمم الكبرى. لكن النجومية ليست شيكاً على بياض. والتسلق فوق تفاصيل المباريات الوطنية بالثرثرة والتنظير واستدعاء مقارنات في غير محلها يُفقد التعليق سحره ومصداقيته. يحتاج الشوالي اليوم إلى مراجعة حقيقية والعودة إلى أبجديات المهنة: وصف الكرة، إشعال الحماس، وترك التحليل لأهله في الأستوديوهات التحليلية.
س. ق

