بعد أيام من التصريح الذي أشعل غضب الجماهير التونسية، وجد لاعب المنتخب التونسي علي العابدي نفسه مضطرًا إلى الخروج من جديد لتوضيح موقفه والاعتذار عمّا صدر عنه، مؤكدًا أن كلامه فُهم خارج سياقه، وأنه لم يكن يقصد أبدًا الإساءة إلى المنتخب الوطني أو التقليل من قيمة حمل قميص تونس.
لكن، وبعيدًا عن العبارات المنمقة هذا الاعتذار يأتي ساعات فقط قبل اعلان الناخب الوطني عن قائمة لاعبي المنتخب وهو ما يفقده قيمته و يبقى السؤال الحقيقي: هل المشكلة فعلًا في سوء فهم كلام العابدي، أم في الكلام نفسه؟ وهل يحتمل كلامه معاني عديدة؟
في التصريح الأصلي، لم يكن الحديث عن مباراة عادية أو فترة تحضيرات عابرة. كان الحديث عن المنتخب التونسي، وعن كأس العالم، وعن لاعب دولي يفترض أن يعرف قبل غيره أن مجرد الإيحاء بعدم الرغبة في الالتحاق بالمنتخب، أو تفضيل البقاء مع النادي، كفيل بإشعال غضب الجماهير.
العابدي تحدث بوضوح عن رغبته في البقاء مع نيس ومساعدة فريقه، وهذا حقه كلاعب محترف، ولا أحد يمكنه أن يلومه على حرصه على مستقبله ومسيرته مع ناديه. لكن عندما يدخل المنتخب الوطني على الخط، تتغير المعادلة.
فاللاعب يستطيع أن يختلف مع المدرب، وأن يناقش خياراته، وأن يحرص على مصلحته الرياضية، لكنه مطالب أيضًا بأن يدرك قيمة القميص الذي يرتديه عندما يتعلق الأمر بالمنتخب.
المشكلة إذن ليست في أن العابدي يحب نيس أو يريد مساعدة فريقه، وإنما في الرسالة التي وصلت إلى الجمهور من كلامه. والجمهور، في هذه الحالة، لم يخترع تصريحًا من العدم ولم يبحث عن تأويل بعيد؛ بل تلقى كلامًا واضحًا، ثم بنى عليه موقفه.
واليوم يأتي التوضيح: «فُهمت بشكل خاطئ».
وهنا نسأل العابدي: إذا كان المقصود شيئًا آخر، فلماذا لم يُقل منذ البداية بطريقة لا تحتمل التأويل؟
اللاعب الدولي، خصوصًا عندما يكون في صفوف منتخب بلاده، لا يعود شخصًا عاديًا أمام وسائل الإعلام. كلماته تصبح جزءًا من صورته ومن صورة المنتخب الذي يمثله. لذلك فإن المسؤولية لا تبدأ بعد اندلاع الغضب، وإنما تبدأ لحظة اختيار الكلمات.
والاعتذار في حد ذاته خطوة إيجابية، لكن الاعتذار لا يلغي التصريح الأصلي ولا يمحو أثره تلقائيًا. فهناك فرق كبير بين أن تقول شيئًا ثم توضح أنك لم تقصده، وبين أن تختار منذ البداية عبارة واضحة لا تضعك في مواجهة مع الجمهور.
الأخطر من ذلك أن محاولة تفسير كل تصريح مثير للجدل بأنه «أُخرج من سياقه» قد تفقد هذه العبارة قيمتها. فالسياق مهم بالتأكيد، لكن السياق لا يمكن أن يصبح دائمًا المخرج السهل عندما تكون الكلمات قد قيلت بوضوح أمام الكاميرا.
كان بإمكان العابدي أن يقول: أريد مساعدة فريقي، لكن المنتخب أولوية عندما يتعلق الأمر بالواجب الوطني. جملة واحدة كانت كفيلة بإنهاء كل هذا الجدل.
أما وقد وقع ما وقع، فإن المطلوب الآن ليس المزيد من التبريرات، وإنما أن تكون الرسالة القادمة واضحة: المنتخب ليس منافسًا للنادي، وقميص تونس ليس ورقة تفاوض، والجمهور التونسي لا يطلب من لاعبيه المستحيل، بل يريد فقط أن يشعر بأن المنتخب يمثل بالنسبة إليهم شيئًا أكبر من مجرد محطة في مسيرتهم الاحترافية.
لذلك، فإن اعتذار العابدي قد يضع حدًا للجدل من الناحية الإعلامية، لكنه لن يمحو بسهولة الانطباع الذي تركه التصريح الأول.
وفي مثل هذه الحالات، يصدق المثل العربي القديم: «رُبَّ عذرٍ أقبحُ من ذنب».
فالخطأ في اختيار الكلمات قد يُغتفر، أما محاولة إقناع الجمهور بأن ما سمعه لم يكن ما قيل، فذلك يحتاج إلى أكثر من اعتذار… يحتاج إلى أفعال تثبت أن قميص تونس، فعلًا، في المكانة التي يقول العابدي إنه يضعه فيها.

