لم تكن ليلة أمس الأربعاء 19 أوت الجاري في قرطاج مجرد سهرة غنائية تُسدل بها ستارة دورة جديدة من مهرجان عريق، بل بدت أشبه بموعد مؤجل بين صوت يعرفه التونسيون جيدًا، ومسرح يحتفظ في ذاكرته بحكايات أجيال. في هذه الليلة عادت ماجدة الرومي إلى المسرح الأثري بقرطاج بعد غياب دام نحو ثماني سنوات، لتختتم بصوتها الفريد الدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي.
منذ اللحظات الأولى، كان واضحًا أن الجمهور لم يأتِ لحضور حفلة عابرة وللاستمتاع بسهرة صيفية، وإنما لاستعادة علاقة قديمة مع فنانة ارتبط اسمها بقرطاج وبذاكرة الجمهور التونسي. وقد كان الحفل أمام شبابيك مغلقة، في تأكيد جديد على المكانة التي تحظى بها الرومي في وجدان جمهورها.
ثماني سنوات من الغياب ولكن …
حين اعتلت ماجدة الرومي الركح، لم يكن الغياب الطويل حاضرًا بوصفه مسافة زمنية فحسب، بل بوصفه شوقًا تراكم لدى الجمهور. ثماني سنوات فصلت بين ظهورها الأخير وعودتها إلى قرطاج، لكن اللحظة الأولى على المسرح بدت وكأنها تختصر كل ذلك الزمن.
في ذلك الفضاء التاريخي العريق اختارت ماجدة أن تقدم صورة الفنانة التي لا تراهن على الصخب، بل على قوة الصوت وحضور الكلمة وعمق الإحساس و التفرد . في لقاء لذيذ حمل الحب والسلام والفرح والامتنان، وهي معانٍ بدت منسجمة مع شخصية الرومي الفنية ومسيرتها الطويلة.
ماجدة الرومي.. صوت يعبر الزمن
ربما تكمن خصوصية ماجدة الرومي في أنها لم تدخل إلى قرطاج هذه المرة لتثبت حضورها؛ حضورها كان راسخًا قبل أن تصعد إلى المسرح. جاءت لتؤكد أن بعض الأصوات لا تتقادم و لو خفتت أو مر عليها الزمن ، وأن الأغنية التي تُبنى على الكلمة واللحن والإحساس يبقى جمهورها وفيا لها رغم مرور السنوات .
وقد حمل برنامج السهرة مزيجًا من أعمالها المعروفة مثل : “اسمع قلبي ” “خذني حبيبي ” “كلمات” وأعمال جديدة مثل “بلا ولا أي كلام ” و قول يا قلبي قول”، إلى جانب اختيارات تونسية أعدتها خصيصًا لهذه المناسبة، بينها أعمال من رصيد الراحل الهادي الجويني ومختارات من أغاني الفنانة الراحلة صليحة مثل : “لاموني الى غارو مني” و “يمي لعوينة الزرقة” و “خالي بدلني” و “اه يا خليلة” وهو اختيار يحمل دلالة خاصة، إذ لم تكتفِ الرومي بالعودة إلى جمهور تونس، بل سعت إلى الاقتراب أكثر من ذاكرته الموسيقية.
وهنا تحديدًا بدا الحفل وكأنه حوار بين لبنان وتونس؛ بين صوت لبناني كبير وتراث تونسي راسخ، وبين فنانة تعرف كيف تجعل الأغنية مساحة مشتركة تتجاوز الحدود.
قرطاج.. المسرح الذي لا يشبه سواه
المسرح الأثري بقرطاج ليس مجرد منصة للحفلات، بل أحد أكثر الفضاءات الفنية رمزية في العالم العربي وهو امتحان صعب و حلم أي فنان… وفي الدورة الستين، التي امتدت من 16 جويلية إلى 19 أوت وضمت 20 سهرة فنية، كان من اللافت أن تُختتم هذه الدورة بصوت ماجدة الرومي، بعد أن افتتحها صابر الرباعي.
وبين الافتتاح والختام، مرّ على ركح قرطاج عدد من الأسماء التونسية والعربية والعالمية، لكن اختيار الرومي لتكون صاحبة الكلمة الأخيرة منح الختام طابعًا احتفاليًا ووجدانيًا خاصًا، وكأن المهرجان أراد أن يغادر جمهوره على نغمة تحمل في آن واحد ذاكرة الماضي وأمل المستقبل.
حالة من النشوة الفنية …
في الحفلات الكبيرة، لا يقاس النجاح دائمًا بعدد الأغاني أو مدة العرض، بل بقدرة الفنان على خلق حالة من النشوة الفنية لدى الحضور. وهذا ما منح سهرة ماجدة الرومي خصوصيتها.
الجمهور الذي ملأ مدرجات قرطاج وفاق طاقة استيعابه لم يكن يستمع إلى صوت فقط؛ كان يستعيد أغنيات رافقته في مراحل مختلفة من حياته مثل “عم يسالوني عليك الناس ” “كن صديقي ” “ما حدا بيعبي مطرحك بقلبي” .و غيرها من النجاحات … ولذلك بدا التصفيق في بعض اللحظات أشبه بتحية لمسيرة كاملة، لا لأغنية واحدة.
إنها المسافة التي تفصل الفنانة صاحبة التجربة عن الفنانة صاحبة الحضور: الأولى تغني ما تعرف، أما الثانية فتجعل الجمهور يتذكر ما عاش.
ختام يليق بالستينية
ما يحسب لماجدة الرومي هو احترامها الكبير لجمهورها ولعراقة مهرجان قرطاج حيث حلت ببلادنا قبل 5 أيام من الحفل وقامت بعدة بروفات مع فرقة من الحجم الثقيل مطعمة بعناصر تونسية . كما سعت الى حفظ أغاني تونسية لتقديمها و هذا في حد ذاته تكريم للأغنية التونسية و ترويج لها من خلال قامة فنية كماجدة الرومي. كما انها أصرت أن يكون فستانها بلون العلم التونسي الذي حملته اخر السهرة على راحتها مقبلة اياه في عديد المناسبات و هذا دليل اخر على الحب و الاحترام الذي تكنه الرومي لتونس و للتونسيين .
ورغم طاقة الاستيعاب التي تجاوزت حدود المعقول التي كان من المفترض إعادة النظر في طريقة التحكم فيها حفاظا على سلامة الحضور وعلى السير السلس للحفل ورغم العطب التقني الذي مس نوعية الصوت في بعض فترات الحفل حافظت الفنانة على رصانة وهدوء ملفتين وتابعت التواصل مع جمهورها عن طريق الكلام المباشر و رسائل الحب و السلام و عن طريق الأغاني التي كان وقعها واضحا على الجميع خلال هذه السهرة الاستثنائية .
مع إسدال الستار على الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، تركت ماجدة الرومي وراءها ليلة ستبقى في ذاكرة المهرجان، ليس لأنها كانت عودة لفنانة كبيرة بعد غياب، وإنما لأنها جاءت في لحظة رمزية: ستة عقود من مهرجان قرطاج، وصوت عربي ينتمي بدوره إلى ذاكرة تمتد لعقود.
في النهاية، لم تحتج ماجدة الرومي إلى استعراض كبير كي تقول إنها عادت. يكفي أنها وقفت في قرطاج، المكان الذي يعرف قيمة الأصوات الكبيرة، وغنّت.
وهكذا خرج الجمهور منتشي من المسرح، بينما بقيت أصداء الأغاني معلقة بين المدرجات والحجارة القديمة؛ ماجدة الرومي غنّت في قرطاج أمس، لكن الأهم أنها أعادت إلى قرطاج شيئًا من زمن الأغنية الخالدة .
إيناس


