الحصري – مقالات رأي
بقلم : الناصر الرقيق
حين يجد اللصّ بدل الصوت أصوات و بدل الحنجرة حناجر ترتفع و تصيح لتدفع ببرائته و لا نرى عشر هذه الضوضاء تفتعل من أجل المطالبة بإسترجاع أموال الشعب المنهوبة فأعلم أن الثورة بها خلل جوهري لأنها لم تجد رجالا يأخذوا على عاتقهم مهمة إصلاح هذا الخلل فجميع الثورات التي شهدها تاريخ الأمم المختلفة جاءت بقيم العدل و الإنصاف حيث عاقبت كل من أجرم في حق أمته إلا في بلادنا فإن ثورتنا التي كنا نعتقد أنها ستنصف الشعب المظلوم جاءت لتنصف المجرمين و اللصوص بدل الثوّار.
فقد أصبح بعض ناهبي المال العام يتمتعون بدعم و مساندة مطلقة من قبل البعض من أشباه الحقوقيين و الإعلاميين لم يحظى بها أي من ضحايا الديكتاتورية أو من شهداء و جرحى الثورة إلى درجة أن صور هؤلاء اللصوص أصبحت تزيّن بعض الشاشات و أسماؤهم تذكر على موجات الإذاعات و على أعمدة الصحف أكثر من جميع المناضلين و الثوار الذين قدموا الغالي و النفيس من أجل الإنعتاق من الديكتاتورية و لم يعد ينقص هذا المشهد المشوّه من الثورة سوى تكريم هؤلاء السرّاق على نهبهم للمال العام و جعلهم يقدمون خططهم المستقبلية لتطوير سرقتهم لمقدارت الوطن.
فبعض الناس قد أثّرت فيهم مثل هذه الحملات فأصبحنا نسمع كلاما متعاطفا مع هؤلاء اللصوص بل هناك من الأصوات التي أصبحت تنادي بتسوية معهم يقوم بمقتضاها سراق المال العام بإرجاع ما نهبوه و يقع التخلي عن متابعتهم ” و يا دار ما دخلك شرّ ” لكن ما نساه أو تناساه أصحاب هذا الرأي أنه في جميع الشرائع كل فعل مجرّم موجب للعقاب بالضرورة بغضّ النظر عن التسويات التي تقع و إلا لأفلت جميع المجرمين من المحاسبة و فعل السرقة على ما أعتقد هو فعل موجب للعقاب سواء في القانون الوضعي أو في القانون الإلاهي فالنبي صلى الله عليه و سلم حين سرقت إمرأة من بني مخزوم و جاء بعض الصحابة للشفاعة لها غضب صلى الله عليه و سلم و كان لا يغضب إلا للحق ثم قال ” أتشفعون في حدّ من حدود الله فو الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها إنما هلكت أمم كثيرة من قبلكم بما تأتونه كانوا إذا سرق فيهم القوي تركوه و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ “.
إذن ليس لنا طريق آخر يمكن أن نسلكه سوى طريق المحاسبة ثم تأتي المصالحة لأنه يجب أن يأخذ كل من أجرم في حق الوطن و الشعب جزاءه حتى يكون عبرة لكل من تسوّل له نفسه القيام بنفس الأعمال الإجرامية لكن إذا إنقلبت المفاهيم و أصبح المشهد عكسيا فعندها يمكن أن نتوقع الفشل للمسار الديمقراطي برمته لأن الديمقراطية التي تقوم في أساسها على الحرية ترتكز أيضا على قوانين صارمة تعاقب كل المجرمين و خاصة اللصوص.
أما عندما يصبح اللصّ سجين رأي و تصبح السرقة رأي يحترم و حرية تمارس فإني أجد نفسي مضطرّا لأقدّم إعتذاري لجميع اللصوص الصغار أي أولئك الذين هم داخل السجون من أجل قضايا سرقة الأشخاص و ليس الأوطان أقدّم لهم الإعتذار على سجنهم و أطالب بإطلاق سراحهم فورا لأنهم لم يرتكبوا جرما حتى يعاقبوا في هذا العرف الثوري الجديد بل كانوا بصدد ممارسة قناعات وجب إحترامها.
