حين يكون الإنسان منشغلاً بتأمين لقمة عيشه، أو البحث عن عمل، أو محاولة بناء حياة مستقرة، فإنه يفكر غالباً في الضروريات فقط: الطعام، والأمان، و المسكن، والعائلة. هذه هي الحاجات التي وضعها أبراهام ماسلو في قاعدة هرمه الشهير.
لكن الإنسان لا يبقى دائماً في هذه المرحلة. فكلما تحسنت ظروفه، بدأ يبحث عن أمور أخرى:
المكانة، والتقدير، ونظرة الناس إليه، ثم السعي إلى تحقيق ذاته والشعور بقيمته في هذا العالم.
تأثير العولمة …
هنا يبدأ تأثير العولمة بصورة أعمق مما نتصور فالعالم الحديث لا يبيع الهواتف والسيارات والملابس فقط، بل يبيع أيضاً صورة محددة للإنسان الناجح. صورة ترتبط باللغة، والمظهر، و طريقة العيش، و حتى بأسلوب التفكير.
و لهذا نلاحظ أن الإنسان كلما أصبح أكثر ثراء أو شهرة أو اتصالاً بالعالم، اقترب شيئاً فشيئاً من النموذج الثقافي العالمي السائد، وهو نموذج تشكل إلى حد كبير تحت تأثير الحضارة الغربية.
ويبدأ الأمر أحياناً بصورة بسيطة شخص يتحدث بلغته في حياته اليومية، لكنه يشعر أن استعمال اللغة الإنجليزية يمنحه صورة أكثر حداثة أو مكانة في العمل ووسائل التواصل. ثم تتحول بعض الألفاظ الأجنبية إلى جزء من حديثه المعتاد، ليس لأنه محتاج إليها دائماً، بل لأنه يشعر بأنها تقربه من عالم النجاح الحديث.
ثم يتوسع الأمر أكثر فالملابس، وطريقة التصوير، والمقاهي، والموسيقى، والسفر، وحتى طريقة تقديم الإنسان لنفسه، أصبحت متشابهة بين شاب في تونس وآخر في الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية.
هل العولمة تدفع الناس نحو التشابه؟
ومع مرور الوقت، لا تتأثر أنماط العيش فقط، بل حتى مقاييس الجمال نفسها. فقد صنعت الإعلانات والأفلام ووسائل التواصل صورة عالمية للجمال ترتبط غالباً بالبشرة الفاتحة، والشعر الأفتح، والملامح الأوروبية أو القريبة منها.
لذلك انتشرت في دول كثيرة منتجات تفتيح البشرة، وصبغات الشعر، وعمليات التجميل التي تحاول تقريب الإنسان من هذه الصورة المنتشرة عالمياً. حتى الذين يملكون بعض هذه الصفات بطبيعتهم قد يشعرون أحياناً بأنها تمنحهم قيمة إضافية داخل مجتمعاتهم، لأن العالم الحديث حوّل بعض المظاهر إلى نوع من الوجاهة الاجتماعية غير المعلنة.
لكن الأمر ليس حباً أعمى للغرب دائماً، ولا شعوراً بالنقص بالضرورة. ففي كثير من الأحيان، يتعلق الأمر بمن يملك القوة الإعلامية والاقتصادية القادرة على تحديد ما يبدو جميلاً أو ناجحاً أو عصرياً في أعين الناس.
ولهذا نرى أن الأثرياء والمشاهير وصناع المحتوى هم الأكثر تأثراً بهذه الظاهرة، لأنهم يعيشون داخل فضاء عالمي مفتوح، وتصبح صورتهم أمام الناس جزءاً من نجاحهم نفسه.
فكلما ارتقى الإنسان اجتماعياً، قلّ ارتباطه بالبيئة المحلية الضيقة، وازدادت رغبته في الانتماء إلى العالم الكبير.
ومع ذلك، فالعالم لا يتحرك في اتجاه واحد فقط. فكما تدفع العولمة الناس نحو التشابه، ظهرت أيضاً رغبة معاكسة عند بعض الشعوب للحفاظ على لغاتها وهوياتها وثقافاتها المحلية. كما نجحت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية في دخول عالم الحداثة دون التخلي الكامل عن شخصيتها الثقافية.
وربما لا تكمن المشكلة في أن الإنسان يتغير، فالتغيير جزء طبيعي من الحياة، بل في السؤال الأعمق:
هل ما نعتبره اليوم نجاحاً وجمالاً وتحقيقاً للذات هو اختيار حر فعلاً، أم أن العالم الحديث يعيد تشكيل أحلام الناس بهدوء، حتى يجعل الجميع يقتربون تدريجياً من صورة واحدة موحدة لا غير وفق المنظور الغربي؟
بقلم: محمد معاذ شارد

