تعيش الشركة التونسية للكهرباء والغاز واحدة من أحلك فترات حياتها خاصة من خلال الإضراب الغامض الذي عمّ تقريبا كافة الأصناف العاملة بهذه المؤسسة بما في ذلك بعض الأصناف ممّن أمضوا منذ سنوات على عقود لا تخوّل لهم الإضراب أو رفض العمل لأي سبب من الأسباب نظرا إلى المواقع الحساسة التي يعملون بها .
ومنذ مدة تم الإعلان بالطرق العادية عن إضراب سيتم تنفيذه في وقت محدد . ولكن قبل يوم واحد من الموعد تم العدول عنه من قبل الطرف النقابي دون أن تتحقق المطالب التي كان الإضراب سيشنّ بسببها . ويبدو أن هذا القرار لم يعجب أطرافا مختلفة فدخلت هذه الاطراف في سلسلة من ” الإضرابات الفرعية ” إن صح التعبير. ولئن يمكن عمليا التعامل مع إضراب الأعوان الذين يعملون في قطاع الضغط المنخفض فإن الخطر الأكبر يكمن في تعطّل قطاعي الضغط المتوسط والضغط المرتفع . فمع انقطاع العمل في هذين القطاعين تتعرّض مصالح قطاعات عديدة للخطر و هذا يعرّض حياة الناس أيضا للخطر خاصة في المؤسسات التي تعمل بالكهرباء ذات الضغط العالي .
مليارات وفوضى
وبكل تأكيد فإن الوضعية التي وصلت إليها هذه المؤسسة الوطنية التي بيدها عصب الحياة في البلاد تقريبا باتت تطرح أكثر من سؤال لعلّ أهمّها : إلى أين تسير هذه المؤسسة التي باتت بعد الثورة تشغّل نحو 12249 شخصا أي بزيادة حوالي بضعة آلاف آخرين ؟. إلى أين تسير هذه المؤسسة التي تسجّل اليوم ديونا لا تقل عن 733 مليارا من مليماتنا بعضها متراكم من قبل الثورة وبعضها تراكم بعدها ؟. إلى متى ستصمد وتقترض الأموال والحال أن لها في ذمم الحرفاء مبالغ مهولة ؟. كيف استطاعت مجموعة صغيرة من الفوضويين أن يفرضوا إضرابا فوضويا لم تقع تزكيته من قبل اتحاد الشغل على أغلبية تريد أن تعمل من أجل أن تواصل المؤسسة نشاطها الذي فيه حياتهم وحياتها ؟.
ولعلّ ما لا يعلمه العام والخاص أن مسألة الديون ليست جديدة لكنها تفاقمت بشكل رهيب في ظرف عام تقريبا . ففي شهر مارس من العام الماضي كانت في حدود 636 مليارا فأصبحت في مارس 2015 في حدود 733 مليارا أي أنها زادت حوالي 100 مليار.
تحطيم أم إنقاذ ؟
ولعل الغريب الذي بات حديث اليوم أنه في الوقت الذي انتظر فيه الجميع خطّة وطنية لإنقاذ المؤسسة من إفلاس محتمل تشارك فيها كافة الأطراف التي تهمّها المصلحة الوطنية نزلت من السماء جملة من المطالب الإجتماعية لتزيد الامور تعقيدا وتزيد الطين بلّة . وللتذكير فإن الإشكال انطلق مباشرة إثر إلغاء الإضراب الذي كان مقررا يومي 12 و 13 ماي الجاري . وقد تعالت يوم 11 ماي 2015 بعض الأصوات رافضة الإتفاق الذي تم التوصل إليه بين الإدارة والطرف النقابي التابع لاتحاد الشغل ووزارة الشؤون الإجتماعية بدعوى أن هذا الإتفاق لا يلبّي المطالب . وقد وصلت هذه الأصوات الرافضة إلى حد اتهام ” نقابة ” الستاغ بالخيانة والتواطؤ مع السلطة . وقد دعت هذه الأطراف إلى عدم الإعتراف بالنقابة وعدم التعامل معها ونفذت إضرابا فوضويا دون الرجوع إليها. ولعلّ الأخطر من هذا كلّه ومثلما أشرنا في البداية أن البعض من هؤلاء نفّذوا الإضراب وهم الذين أمضوا على عقود يلتزمون فيها بعدم الإضراب أو رفض العمل حفاظا على مصالح أطراف عديدة ونقصد هنا العاملين في قطاع الضغط العالي والضغط المتوسّط . وفي الأثناء اشتكى العديد من المواطنين أواخر الأسبوع الماضي من انقطاع التيار الكهربائي ومن غلق مكاتب الشركة جرّاء هذا الإضراب الذي دعا إليه رافضو الإتفاق الذين وصلوا إلى حدّ منع زملائهم من العمل .
وبالرغم من التصريح الذي قال فيه الرئيس المدير العام للمؤسسة رشيد بن دالي إن رفض الأعوان التدخل لإصلاح الأعطاب التي طرأت في جهات عدة من البلاد غير مقبول وإن الحكومة سوف تتخذ الإجراءات اللازمة ضد المتسببين في هذا الوضع فإن الإضطرابات ما زالت قائمة إلى اليوم .
وبالرغم من رفض اتحاد الشغل لما حدث فإن هؤلاء الفوضويين باتوا يمسكون بخيوط اللعبة ويعطّلون رجوع العمل إلى سيره العادي خاصة أن الشركة أصبحت اليوم وأكثر من أي وقت مضى في حاجة إلى العمل عسى أن تستخلص ديونها وأن تخرج من الوضع الصعب الذي تردت فيه .
وفي الأثناء أيضا طرحت إمكانية تغيير الرئيس المدير العام لعلّ الظروف تتغيّر والإشكالات تزول وقد تم تداول اسم المهندس كمال العيادي لخلافة رشيد بن دالي وتطبيق خطة الإنقاذ التي طال انتظارها . وبالرغم من أن هذه المعلومة تم تداولها منذ الأسبوع الماضي فإنه لم يقع تأكيدها أو نفيها . وفي الأثناء تتواصل أجواء الفوضى أمام عجز الدولة عن تطبيق القانون وفرض احترامه على الجميع وخاصة أمام خشية أغلبية العاملين في هذه المؤسسة الذين أصبحوا لا يخفون خوفهم من إفلاسها وبالتالي ضياع مورد رزقهم .
جمال المالكي