بحلول الثالث عشر من أكتوبر الجاري ،تنتهي صلاحية الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي ، هذا الكائن الغريب الذي جيء به لتعطيل المجلس الوطني لحماية الثورة الذي أسسه المستيري والفيلالي وبن صالح .
هذه الهيئة ضمت بين جدرانها معظم الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية والمهنية التي لا احد يعلم الجهة التي اختارتها ولا المقاييس التي على أساسها كان اختيار الشخصيات التي اختزلت فيها صفة الوطنية ، مما ولد قصورا في الشرعية وتشكيكا من الشعب الذي رأى فيها تعديا صارخا على ثورته وعلى أحقيته بتحديد مستلزمات المرحلة ، خاصة في ظل التجاذبات الحزبية والإيديولوجية التي مزقت ورقة التوت التي كانت تخفي عورة الهيئة والتي كان وقودها اليومي صراعات علنية وأخرى خفية بين ممثلي مختلف الأطياف الغريبة( التي عششت في المجلس الموقر لسيادتهم ) ، مما أفقدهم مرجعية شعبية كانت ستكون تاريخية لو أحسن أهل القرار الرأي ، لتبقى الهيئة طللا مهجورا تغرد فيه بعض الغربان لا تسمع من الأصوات غير ما يصدر عنها .
هذا الخلط والصراع الدائم ، أدى في فترات متلاحقة و لأسباب مختلفة إلى عديد الاستقالات وتعليق العضويات ،كردة فعل عن خور المناخ الذي جيء بهامش هذا الكائن الذي قفزت إليه فصائل كانت بالأمس في صف الموالاة ، وأخرى دخلت الهيئة بجواز عبور إسرائيلي لتمرر التطبيل مع التطبيع ،ومنها من جاء متسللا تحت طربوش الثقافة ومنهم من جاء يستعطف التوبة أمام حضرة سيدهم الفوضوي .
ضاق المكان بكل هذا الجمع الذي تحكمه لكنة غربية براغماتية ، مما ولد نفورا من كل أبناء تونس العزيزة التي عرفت أن هذا الكيان ميتافيزيائي فوقي ليس له بها صلة ثورية ، وماهم إلا محترفي سياسة اتخذوا من الثورة غنيمة ، فاستعجلهم الشعب مرارا بصده لمؤامراتهم ، لكن عصا الرجعية وشعارات هيبة الدولة التي تفنن صناع القرار في استعمالها كانت تظهر علينا كل مرة بمسكنات عساها تطفئ شعلة الصد الشعبية آملين أن يصاب بالملل وينصرف كل إلى غايته الخاصة بعيدا عن الهم العام .
هذه هي الهيئة العليا التي يتطلب حفظها وفهمها دهرا وصبرا ، مارست طيلة الأشهر الماضية كرنفالها السياسي الذي شاركها فيه بعض القنوات التي جندت لخدمة أجندة القطع بين الشعب وثورته , لكنهم تناسوا أن هذه الثورة عدلت بين جميع التونسيين وجعلتهم على نفس المسافة من الاستحقاقات التي تنتظرها البلاد ، ويبقى للتاريخ أن يصدر حكمه لنميز الوطني من المضارب بالوطن .
أكرم معتوق
