
ولكنَّ العجيبَ في الأمر أنَّ هذا الكتاب الذي من المفترض أن تتبنَّاه وزارة الثقافة والمحافظة على التراث لم يلقَ أيَّ عنايةٍ في أروقة وزارة الثقافة بل ووقع التلاعب بمطالب الأستاذ محفوظ كمطلب إدراجه في لجنة الشِّراءات ومطلب تمتيعه برخصة مبدع لإنهاء مشروع ضخم يتعلَّق بكتاب التحرير والتنوير سنفصِّله في آخر هذا المقال وهي مطالب عفيفة لا تبلغ معشار ما يطلبه بعض أشباه الفقاقيع من دعم من الوزارة فالأستاذ محفوظ قد طبع الكتاب على كاهله بكلفة 17 ألفَ دينار.
وفجأةً بعد الثورة وبعد قدرة هذا الشعب الكريم على الإطاحة برموز الفساد ظهر الخبرُ اليقين فكشف بقاء كثير من الإدارات على ما هي عليه. ظهر الخبرُ بصدور كتابٍ اسمُه: “فهرس تفسير التحرير والتنوير” عن وزارة الثقافة والمحافظة على التراث والدار العربية للكتاب. وبمجرَّد أن فتح المشتغلون بالمجال هذا الكتابَ الجديد صُدِموا لجرأة وزارة الثقافة فقد وقع السَّطوُ على الإخراج الإعلامي لكتاب الفهرس الكبير للأستاذ محفوظ غزال، نعم ما عدا الغلاف الخارجي نجد الإخراج نفسه والجَدْوَلَة نفسها والمنهجية ذاتها حتَّى إنك إذا فتحت صفحةً من كتاب الفهرس الكبير للأستاذ غزال وصفحةً من هذا المولود المشبوه لم تكَدْ تُفَرِّقهما فقد وقع السَّطو على الإخراج الذي أنْجَزَتْه شركةٌ هولندية في أمستردام سترفع قضيَّتها في إبانها.
إذن عُلِمَ الآن لِمَ تجاهلتْ وزارة الثقافة كتاب الفهرس الكبير لكتاب التحرير والتنوير الذي أصدره الأستاذ غزال، كانت الوزارة قد أوْكَلَتْ هذه المهمة في آخر التسعينيات للجنة مختصة في المجال لم تُنْهِ عملها ولكنَّها تقاضت أجْرَها الكبير ولما ظهر كتاب الأستاذ غزال أثار لسوء حظه ملفًّا مسكوتا عنه ولذلك تجاهلوا الكتاب وأبعدوه عن لجنة الشراءات وأبعدوا صاحبه عن رخصة مبدع كي يتسنَّى لهم في تلك المدَّة إصدارُ هذا الكتاب الفضيحة فنيا ومضمونيا لتبرير الأموال المدفوعة. ومن غريب الادعاء والمكر أنهم أصدروا الكتاب بتاريخ مزَوَّر وهو سنة 2010 ليتناسب مع كتاب الأستاذ غزال، والحال أنه لم يصدر إلاَّ في 2011 في ماي أو جوان. كلُّ ذلك لطمس معالم ما قاموا به من تلاعب بكتاب الفهرس الكبير الذي صدر قبل كتابهم ونَسُوا تاريخَ الإيداع وحقوقَ المؤلِّفين.
وإذا كانت الفضيحة التقنية في السَّرقة قد ظهرت بما أسلفناه فإنَّ الفضيحة الثانية أشدُّ فهذا الكتاب الذي يدَّعي لنفسه أنه عملُ لجنة لا يمكن أن يُعتدَّ به لأسباب متعددة منها:
* وقعت الفهرسة على نسخة سنة 1982 التي لم تعد متداولة.
* الأخطاء الفادحة التي عليها الرقن حيث لا تخلو صفحة من أخطاء مشينة لا تليق بعمل لجنة.
* ترتيب الأجزاء الذي اعتمده الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور والذي احترمه الأستاذ غزال في فهرسته غاب في الكتاب الصادر عن الوزارة وأصبح الترتيب وفق المجلَّدات وكلُّنا يعلم أنَّ كتاب التحرير والتنوير لا يتضمَّنُ ثلاثين مجلَّدا بل ثلاثين جزءًا وهي أجزاء القرآن أمَّا المجلَّدات فأقصاها 15 مجلَّدا وأدناها 12 مجلَّدا فهل الذين فهرسوا من غير أهل القرآن؟ أم أنَّ الخوف من افتضاح سرقة الترتيب من كتاب الأستاذ غزال حملهم على ذلك فرضُوا هذا الخطأ الفظيع؟
* من فادح الأخطاء في فهرسة الأحاديث النبوية أنَّ بفهرسة الجزء الأول (من التحرير والتنوير) نقصا بـ42 حديثا نبويا أولها حديث “أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم” (رغم كونه من الأحاديث غير الموثوق بها لا يهتم المفهرِسُ بقوة الحديث كما ذكر الأستاذ غزال في مقدمة كتابه). لأنَّ هذا الحديث مذكور في الهامش وهم أجروا بحثا على نسخة إلكترونية للتحرير والتنوير. وقد حملهم على ذلك ضيق الوقت المفروض عليهم لصدور الكتاب بعد أن أزعجهم كتابُ محفوظ غزال.
* في فهرس الجزء الأول والمتعلق بالأبيات الشعرية رصدتُ أكثر من خمسين خطأً في الجزء الأول فقط.
أيُّ ثورة هذه التي سمحت لأمثال هؤلاء أن يبقوا في الوزارة أو في الدار العربية للكتاب، وأيُّ ذنبٍ لنا نحن الباحثون حتَّى يتسرَّب كتابٌ كهذا إلى رفوف مكتباتنا، وأيُّ ذنبٍ للأستاذ محفوظ غزال كي يقع السَّطوُ على حقوق كتابه الفنية، وهل يعلم السيد وزير الثقافة في الحكومة المؤقتة بذلك؟
هل نحن في ما قبل الثورة؟هل مازالت بعض العناكب في أسقف بعض الإدارات؟ هل يعلم وزير الثقافة بهذا وإن كان يعلم فالأمر أخطر ؟ أسئلة عديدة ومازالت ستتعدد أمام اتِّصال عديد القنوات التلفزية بالأستاذ غزال لبحث مسألة الكتاب فنيا ومضمونيا.
على كلٍّ تأكَّد المشتغلون في هذا المجال أنَّ حادثة هذا الكتاب كشفت تلاعبا كبيرًا وظلما للأستاذ غزال الذي شرع منذ 11 سنة في مشروع وطني تراثي هام يعلَّق بكتاب التحري والتنوير وتفصيله كالتالي:
1/ فهرسة كتاب التحرير والتنوير في كتاب يتكوَّن من مجلَّدين، واسمه “الفهرس الكبير لكتاب التحرير والتنوير”.
2/تخريج شواهد التحرير والتنوير.(الأحاديث النبوية والشعر).
3/ تصحيح نسخة التحرير والتنوير وتلافي الأخطاء المطبعية الموجودة فيها. خاصة أنَّ فيها أخطاء كثيرة في القرآن والشعر وترتيب الصفحات شَوَّهت عمل الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور.
4/ اختزال كتاب التحرير والتنوير المتكوِّن من ثلاثين جزءًا في كتاب “مختصر التحرير والتنوير” يتكوَّن من أربعة أجزاء سيصدر جزؤه الأول قريبا إن شاء الله ليُسهِّل على القارئ التعامل مع هذا الكتاب الموسوعة.
اكرم معتوق