تلاعب تيار يساري مفلس ايدولوجيا بفكرة انه يحتكر الحداثة والتقدم مقابل انكاره على الفصيل الإسلامي الممثل في حركة النهضة أن يكون حاملا لرؤية حداثية. هذا اليسار وبعض من بورجوازية مرتبطة بكراريس شروط غربية تصرفوا ويتصرفون مع الحركات الإسلامية على أنها جزء من كنيسة يتهمونها بأنها تجمهر لقوى ظلامية تسببت في إحراق العلماء.
إنكار الحداثة على حركات سياسية ذات مرجع إسلامي لا ينبع فقط من إسقاطات تماثلية من هذا النوع ،بل إنها أيضا صبغة لا تزول لعنصرية الرؤية التي تحملها.
عدم قدرة بعض النخب المسيسة من النفاذ إلى واقع البلاد من زاوية معرفة دقيقة وعلمية وعقلانية لتاريخ وثقافة الشعب التونسي تضطرهم إلى الإسراع بتبني مشهد مسرحي أوروبي تشكل على مدى خمسة قرون من عمر النهضة الأوروبية،واتفق فيه الإخراج على رسم صورة أوروبا المسيحية الكاثولوكية التي أحرقت علماءها في الساحات العامة.هذا المشهد الذي استنبطه البعض منا عبر عملية المثاقفة التي تواصلت منذ الغزو الاستعماري إلى بلادنا ،لم يتوقف فعله أبدا في النفوس إلى درجة أنهم تقريبا حولوه إلى مشهد عربي إسلامي بترجمة سيئة وإخراج مصطنع.وبتنا نحن أيضا نتحدث دون وعي أن هناك كنيسة إسلامية اضطهدت العلماء
سربت كلمة حداثة وتقدمية في هذه الحملة الانتخابية بسرعة.واعتقد البعض انها ستفعل فعلها كالرصاص الذي أطلقه بن علي على المتظاهرين وانه سيحصد المنافسين الذين حولهم هذا السلاح إلى أموات قبل أن يتظاهروا.
وكما في كتاب دون كيشوت عندما اقتربت المنية منه وكان عليه أن يبرر سلسلة الكذب الذي عاشها في مغامراته مع صديقه وخادمه الساذج.كان عليه أن يخترع سيلا آخر من الأكاذيب حتى يبقى عبده ملازما للأسطورة.قام أعوان الحداثة والتقدمية بتبرير خسارتهم في الانتخابات بان الشعب التونسي جاهل ومتخلف ويركن إلى الجهل والتخلف والظلامية .
النخب التافهة النسخية لا تعي ولا تعرف اتساع دائرة جهلها.هي أصلا لم تتفطن إلى الانهيار الاديولوجي الذي حدث منذ أربعة عقود في الغرب.عقيدة العلم الغربي والتي لم يبق منها إلا جانبها التكنولوجي تحطم كبرياءها منذ عقود.تلك القناعة الشبه كاثولكية في عالم ينقذه العلماء تكسرت شوكتها. وانتشرت في الغرب رائحة التنجيم والسحر وقراءة الكف والشعوذة.
هم أصلا لم يتفطنوا إلى أن سقوطهم اليوم في الانتخابات هو سقوط اديولوجي. الشعب التونسي الذي اغفل الاستماع إلى شقشقة كلمة حداثة وحداثيين وتقدم وتقدميين يعلم أنها قشرة بيض فاسدة و أكذوبة مغلفة باللمعان المخادعو وتواصل لحالة ارتهان وتبعية لمنطقة من العالم استمع إلى دوي انهيارها المالي والاقتصادي والثقافي والأخلاقي والحضاري.
الشعوب تفهم جيدا ما معنى التجربة.ولقد جربت بما فيه الكفايةولدغت مرات عديدة من نفس الجحر.ولم تعد هذه المسرحية المؤلمة تروق لهم.
القضية ليست في الشعوب بل القضية في النخب . الشعوب هي تجمهر لحرفاء على استعداد لاشتراء الأفكار.وليسوا على استعداد للعودة إلى بيوتهم بسلع فاسدة مهراة سقطت أجالها. وهؤلاء النخب ينتصبون بسلعة غزاها الصدأ مستوردة ولم يعد يقبل بها حتى أصحابها الأصليين.
كلمة حداثة في أوروبا لم تعد تعني شيئا فما بالك بكلمة تقدمية. وما بقي يستهوي فيها لبورجوازية مثقلة بالديون هو ذلك البريق للثروة ، أو ما بقي من مظاهر الثراء والرفاهة. ولكن في جوهرها في عمق مدلولاتها يمكن ان تساوي هذه الكلمة في علم الانتروبولوجيا. تقريبا مشهد رقص فلكلوري إفريقي كما تسلم جائزة الأوسكار في هوليود .
عيش جزء لا يستهان به من مثقفي تونس خارج التاريخ. لقد استسلموا منذ عقود إلى أننا ننتمي إلى ثقافة عنصرها ضعيف. وعلينا أن نبقي أفواهنا مفتوحة لرضاعة كل ما يأتي من الغرب. منذ عشرات السنين وهم يعدوننا بالتأسيس. ولكن كل ما أسوة هو هذه الحالة من التبعية.
خروجهم من التاريخ أيضا قطعهم من البيولوجيا.لم يتفطنوا إلى وقع الجثث الساقطة اثر دخول الأمريكان للعراق. لم يحللوا قيمة الصورة الفوتوغرافية الآتية من هناك وعسكر الأمريكان يتجول مدججا بالقتل في بغداد. حالة الغثيان التي هم عليها مؤسفة وحزينة ،جزء لا يستهان به منهم تحول إلى مومياء مزركشة .مكسوة بقماش هيجو بوس او فيرساتشي…أو أرماني ولكنها مومياء…..لاشئ أسوا من ملكة التفكير عندما تنحني للنسخ ..
قال عنها توينبي انها تحول المدن الى هكتارات من القبور المتحركة … وللحديث بقية
