كلّ حقبة تصوغ مصيرها من خلال الأجوبة التي تواجه بها أزماتها. أما زماننا هذا، فيشهد تناقضا جليا. ففي حين تترابط مصائرنا أكثر فأكثر، تزداد نزعات الانفصال شراسةً وعمقًا. إلا أن البحار والمحيطات تذكّرنا بحقيقة أزلية: لا شيء يظلّ حيًّا في العزلة.
أن نكون في تناغم مع العالم، بوصفنا أرخبيلات حيّة، هو أن نصل بين ضفافنا وآفاقنا.ومن هذه القناعة ولدت الدورة الثامنة من بينالي جو تونس.
فمنذ تأسيسه، لم يكن جو تونس يومًا ما مجرد تعاقب لمعارض أو عروض فرجوية ومنتديات، بل كان تأصيلا لكيانه في العالم كطاقة وصل.
وفي زمن يميل إلى وضع الهويات بعضها في مواجهة البعض الآخر بوصفها أنغاما متنافرة، بدل تثمينها كألحان متناغمة، يراهن جو تونس على النقيض ببناء المعابر بدل تشييد الأسوار، فتراه لا يلغي ما يفصل بيننا، بل يسعى جاهدا لجعل اللقاء ممكنًا عبر اختلافاتنا والمسافات الفاصلة بيننا.
وتتظافر هذه السنة جهود مؤسسة كمال الأزعر، ومركز الفن المعاصر في جنيف ، ومؤسسة آرت إكسبلورا حتى تستوي على خط أفق واحد، ألا وهو الدورة الثامنة من جو تونس.
وللمرة الأولى، ينتظم بينالي فنون الصورة المتحركة (BIM’26) خارج سويسرا، في تونس تحديدا.
وبهذه المناسبة، كلّف مركز الفن المعاصر في جنيف ومؤسسة كمال الأزعر ستة عشر فنانًا لإنجاز ستة عشر عملًا جديدًا، لهم مطلق الحرية في ابتداعها، وذلك ضمن معرض “أن نصبح محيطا” Becoming the Ocean، الذي أشرفت لينا الأزعر على تصميمه الفني، بالشراكة مع أندريا بيلّيني.
وتنخرط آرت إكسبلورا في جو تونس ضمن المقاربة نفسها لتجعل من البحر الأبيض المتوسط صلة وصل وفضاءً للعبور والحوار.
غير أن هذا البحر لا يهب الجميع حقّ الإبحار نفسه؛ فهو يجمع الضفاف ويفصل بينها في الآن معا، كاشفًا تناقضات عالم تتكثّف فيه الروابط وتظلّ حرية الحركة غير متكافئة.
وعلى هذا النحو يتشكّل أرخبيل الفنون هذا. لا بوصفه ذوبانا في كيان واحد، بل تلاقي كينونات متفردة تحتفظ كل منها بصوتها.
الضفاف لا تعرف السكون والأرخبيلات لا تحيا إلا بفضل تلك التيارات الخفيّة التي تصل الجزر بعضها ببعض من غير أن تخلط بينها. فالمعابر تمنحها نَفَسها، والعبور يمنحها عمقها، والآفاق المشتركة تفتح لها المستقبل، رحبا، واعدا.

