لم تبدأ سهرة صابر الرباعي في بنزرت كما كان منتظرًا. الموعد المعلن مرّ، والجمهور ظل في انتظار إشارة انطلاق الحفل، قبل أن يتأخر العرض قرابة نصف ساعة بسبب عطب تقني. لحظات من الترقب عاشها الحاضرون، قبل أن تنطلق الموسيقى ويظهر صابر الرباعي على الركح، فتتغير نبرة الليلة بالكامل.
فما إن بدأ الفنان التونسي وصلته حتى بدا أن الانتظار أصبح جزءًا من الماضي، وأن الجمهور الذي ملأ الفضاء كان مستعدًا لاستعادة صابر بكل ما يحمله صوته من ذاكرة. وهكذا تحوّل التأخير، الذي أثقل بداية السهرة، إلى مجرد تفصيل أمام حفل سرعان ما استعاد إيقاعه.
كان الموعد مساء الأربعاء 19 أوت مع اختتام الدورة الثالثة والأربعين لمهرجان بنزرت الدولي، في سهرة اختير لها أحد أبرز الأسماء في المشهد الغنائي التونسي والعربي. وبعد أسابيع من العروض المتنوعة، كان مسك الختام مع فنان يعرف جيدًا كيف يخاطب الجمهور التونسي، وكيف يجعل من الأغنية الطربية مساحة مشتركة بين المسرح والمتلقي.
نصف ساعة من الانتظار
في المهرجانات الكبرى، لا يُقاس نجاح الحفل بما يحدث فوق الركح فقط. التنظيم، احترام المواعيد، جودة الصوت، وسلاسة الانتقال بين الفقرات كلها عناصر تدخل في صناعة التجربة.
لذلك، لم يكن تأخر انطلاق السهرة لنحو نصف ساعة بسبب عطب تقني تفصيلًا هامشيًا بالنسبة إلى جمهور جاء في الموعد وانتظر بداية الحفل. فالدقائق التي تمرّ أمام جمهور كبير يمكن أن تتحول سريعًا إلى حالة من التململ، خصوصًا في سهرة ختامية يفترض أن تكون أكثر انسيابية.
لكن الاختبار الحقيقي جاء بعد ذلك: كيف سيستعيد الحفل إيقاعه؟ والجواب كان على الركح.
عندما يعتلي صابر إلى المسرح
فبمجرد أن اعتلى صابر الرباعي المسرح، بدا أن الفنان اختار ألا يسمح لارتباك البداية بأن يطغى على بقية السهرة. ترك للموسيقى مهمة إعادة ترتيب المشهد، ولصوته مهمة استعادة تركيز الجمهور.
صابر الرباعي لا يدخل عادةً إلى المسرح من نقطة الصفر. يدخل وفي رصيده سنوات طويلة من العلاقة مع الجمهور. وهذه العلاقة كانت واضحة في بنزرت. فالجمهور لم ينتظر فنانًا يحتاج إلى تقديم نفسه، بل جاء ليستعيد صوتًا يعرفه، وأغنيات رافقته في مناسبات وأعمار مختلفة.
من هنا كانت قوة الحفل: بعد البداية المتعثرة، لم يحتج صابر إلى كثير من الوقت لإعادة بناء حالة التواصل الأغنية تولت المهمة والجمهور تجاوب.
وبينهما وقف صابر، بصوته وخبرته، ليؤكد مرة أخرى أن الطرب لا يحتاج إلى كثير من المؤثرات عندما يكون الفنان قادرًا على الإمساك بخيط العلاقة مع مستمعيه.
وقد امتع صابر جمهوره بعدد من اغانيه المعروفة مثل : يادلولة و اتحدى العالم و سيدي منصور و صيد الريم و مزيانة و برشا برشا و يا للا و عشير عمري و غيرها من نجاحته الفنية إضافة الي تقديم جديده اغنية “لجاسمان”
كوكتال تونسي.. ذاكرة أجيال في فقرة مميزة
لكن واحدة من أجمل محطات السهرة كانت عندما عاد صابر الرباعي إلى الذاكرة الموسيقية التونسية، مقدمًا كوكتالًا جمع أسماء كبيرة صنعت جزءًا من تاريخ الأغنية التونسية، من الهادي الجويني وعلي الرياحي إلى صليحة. لم تكن هذه الفقرة مجرد استراحة من أغنيات صابر، بل بدت بمثابة تحية من فنان معاصر إلى المدرسة التي صنعت الذائقة الموسيقية التونسية.
فالهادي الجويني بما يمثله من رومانسية وأناقة في التلحين، وعلي الرياحي بما يحمله من طاقة طربية وحضور، وصليحة بما تمثله من عمق في التراث الغنائي التونسي، اجتمعوا في صوت صابر ضمن لوحة واحدة. وهنا ظهر وجه آخر من شخصيته الفنية: الفنان الذي يستطيع أن يحتفي بتراث بلاده من دون أن يحوله إلى قطعة متحفية، بل يعيد تقديمه بروح معاصرة أمام جمهور من أجيال مختلفة.
وقد سبق لصابر أن اختار في حفلات تونسية سابقة العودة إلى رصيد رموز الأغنية التونسية، خصوصًا الهادي الجويني وعلي الرياحي ومحمد الجموسي، في مقاربة فنية تجعل التراث جزءًا حيًا من الحفل لا مجرد فقرة تذكارية.
من قرطاج إلى بنزرت
يحمل حضور صابر الرباعي في صيف 2026 دلالة خاصة. فقد افتتح الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي في 16 جويلية، قبل أن يعود في نهاية الموسم ليختتم الدورة الثالثة والأربعين لمهرجان بنزرت الدولي.
بين الموعدين أكثر من شهر، لكن الرابط بينهما واضح: صابر كان حاضرًا في موقعين رمزيين؛ في افتتاح واحد من أعرق المهرجانات العربية، ثم في إسدال الستار على مهرجان تونسي عريق آخر.
وبذلك لم يكن حفل بنزرت مجرد موعد إضافي في أجندة الفنان، بل محطة ختامية لصيف مهرجانات تونسي حمل اسمه بقوة.
بنزرت.. جمهور لا يأتي لسماع الأغنية فقط
خصوصية بنزرت لا تكمن في جمهورها فقط، وإنما في طبيعة المدينة نفسها. مدينة البحر، التي تختلط فيها رائحة الصيف بأصوات الناس وحركة الشوارع، تعرف كيف تجعل من الحفلات الليلية موعدًا اجتماعيًا يتجاوز الموسيقى. وفي سهرة صابر، بدا الجمهور جزءًا أساسيًا من المشهد. لم يكن حاضرًا للاستماع من بعيد، بل للتفاعل والمشاركة واستعادة الأغاني التي يعرفها.
وهذا النوع من التفاعل هو الذي يجعل الحفل مختلفًا عن مجرد عرض موسيقي.
ختام بدّد ارتباك البداية
إذا كانت السهرة قد بدأت بتأخير لم يكن في الحسبان، فإن ما حدث فوق الركح جعل ذلك التأخير يتراجع إلى الخلفية. وهنا يمكن القول إن صابر الرباعي نجح في الاختبار الأصعب: أن يحافظ على روح الحفل رغم بداية لم تكن مثالية.
لكن ذلك لا يلغي أن احترام الموعد وجودة الجوانب التقنية والتنظيمية تظل جزءًا أساسيًا من حق الجمهور، خصوصًا في مهرجان بحجم بنزرت الدولي. فالجمهور لا يدفع ثمن الموسيقى فقط، وإنما يدفع أيضًا مقابل تجربة متكاملة يفترض أن تبدأ منذ لحظة دخوله إلى الفضاء وتنتهي مع آخر نغمة.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تكون الأعطاب التقنية التي شهدتها السهرة درسًا تنظيميًا يستحق التوقف عنده، لا بهدف الانتقاد من أجل الانتقاد، وإنما من أجل أن تكون الدورات المقبلة أكثر جاهزية وانسيابية.
حين يصبح الفنان جزءًا من الحل
في النهاية، تبقى قيمة الفنان في مثل هذه الظروف في قدرته على إدارة اللحظة. وصابر الرباعي، بخبرته الطويلة، عرف كيف يترك خلفه ارتباك البداية ويتقدم إلى الجمهور من بوابة الأغنية.
فلا أحد يذكر عادةً الدقائق الأولى من الحفل بالقدر الذي يتذكر به اللحظة التي عاش فيها إحساسًا حقيقيًا.
وهذا ما جعل السهرة تستعيد توازنها تدريجيًا: صوت صابر، تفاعل الجمهور، وأغنيات تستحضر سنوات من الذاكرة.
آخر ليلة.. وأول وعد بسهرات استثنائية جديدة
مع نهاية الحفل، أسدل مهرجان بنزرت الدولي الستار على دورته الثالثة والأربعين. كانت بداية السهرة متعثرة، لكن النهاية جاءت على إيقاع فني أعاد للجمهور إحساسه بأنهم كانوا أمام ليلة تستحق الانتظار.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأجمل في الحفل: نصف ساعة من التأخير بسبب عطب تقني لم تستطع أن تعطل ليلة كاملة من الطرب. غادر الجمهور الفضاء، وانتهى موسم المهرجان، لكن صوت صابر بقي حاضرًا في ذاكرة ليلة الاختتام حيث يحسب للجنة التنظيم برمجة مثل هذه العروض الثقيلة و الأسماء التونسية التي يحبها الجمهور .
فالمهرجانات تُقاس في النهاية بما تتركه خلفها، لا فقط بما يحدث في لحظتها. وفي بنزرت، ترك صابر الرباعي وراءه سهرة بدأت بانتظار، وانتهت بنشوة فنية . وبين البداية والنهاية، انتصر الطرب في عاصمة الجلاء .
إيناس



