انطلاقا من المستجد في المشهد الإعلامي التونسي الذي كثر فيه التحليل والتفسير والتأويل من أجل الإقرار بدور الإعلام كسلطة اعتبارية تعديليه مستقلة بعيدا عن التجاذبات السياسية , على اعتبار أن هذا القطاع لايزال هشا قابلا للاختراق , ارتأت الهيأة المديرة لجمعية نادي الصحافة بقابس تنظيم ندوة تناولت محور مهم وهو الصحافة التونسية بين الاستقلالية والتجاذبات السياسية .أثث المداخلة الأولى مدير مكتب تونس إفريقيا للإنباء بصفاقس الإعلامي محمد سامي الكشو , والذي تناول موضوع حيادية الصحفي والإعلام الجهوي أية علاقة ؟ انتهى فيها إلى خلاصة المنهج القائم على هيمنة الإعلام المركزي على الجهوي في تخطيط غريب نفذه الإعلام الجهوي ذاته حين غيب نفسه بانعدام التمثيليات الجهوية وبعدم توفره إلا على مساحة صغيرة من المشهد الاعلامي مما يؤكد النظرة الدونية للجهات التي لا تتوفر على آليات التحفيز القادرة على إحداث التوافق المغيب بين المركزي والجهوي الذي رأى فيها الكثير من التباعد والتنافر في علاقة افقية اختلفت كليا مع تجارب الغرب الذي كان فيه الإعلام الجهوي بحق محور قوة بفضل الدعم اللوجستي والبشري .نفس هذا الإقصاء الممنهج في الإعلام الجهوي المكتوب , نفذ في مجال المجال الإعلام المرئي الذي يتطلب اليوم تغيير جذري معتبرا أن تحررا لإعلام الجهوي مرتبط أساسا بتحرر المركزي وأن الحراك السياسي متى صلح مع التسيير الإداري فإن ذلك سيؤثر حتما على الإعلام بصفة عامة لينهج منهج التغيير الذي تعرفه الساحة الإعلامية عامة رغم سقوط عدد كبير من الصحفيين في عدم الحيادية بعد ان تغيرت تبعية الحاكم إلى تبعية حزبية وإيديولوجية متناسين ميثاق شرف المهنة الذي ينادي بالسعي الى استقصاء الحقيقة عبر الاحتكام إلى الضوابط المهنية لاغير .المداخلة الثانية قدمها أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سالم لبيض والذي عرفه رئيس الجلسة السيد منير الرقي رئيس جمعية الصالون الأدبي بأنه ضمير الأمة , وقد تطرق بالشرح للمشهد الإعلامي عموما معتبرا أن قضية الإعلام هي قضية جوهرية تهم المجتمع والأجيال مؤكدا على أن المشهد الإعلامي هو جزء من المشهد السياسي الذي يمثل جوهر القضايا لأن الإصلاح السياسي هو أب كل الإصلاحات , لان السياسة تقوم على فنين هما فن التأثير والتسيير وهو ما يوفره عمليا قطاع الإعلام معتبرا أن الإعلام هو الوجه الأول للسياسة .ومرد هذا الطرح حسب الدكتور سالم لبيض أن تاريخ كل الدول يؤكد أن باب التحكم في دواليب الدولة يمر حتما من التحكم في التعبير وهذا مرد التجاذبات القائمة التي تتنزل في محاولة السلطة في التحكم في الإعلام لتكون قادرة على تمرير إيديولوجيتها مما ينتج تقابل بديهي بين أن يكون الإعلام أداة دعاية بالنسبة للدولة أو أداة تعدد بالنسبة للمجتمع المدني .وفي قراءة تذكرية للمشهد الذي كان قائما في تونس وجه صراحة أصابع الاتهام إلى إمبراطور الإعلام عبد الوهاب عبد الله الذي اعتبره المتحكم الرئيسي في المشهد الإعلامي وإلى معهد الصحافة الذي أكد انه كان تحت ازدواجية الإشراف وإلى وكالة الاتصال الخارجي التي عملت على تمرير الايدولوجيا الرسمية للدولة وعلى شرعنة كل السلوك السياسي للحكام حتى تحولت إلى عصابة سياسية حاكمة ونقطة تفرعت منها كل المفاسد .هذا وتناول في مجمل مداخلته واقع الإعلام اليوم مؤكدا على صفة التحرر الجزئي للصحف الورقية رغم كثرتها والتي سقطت في مطب التلوين الحزبي ومثال ذلك جريدة المغرب التي تصب في الولاء للايدولوجيا اليسارية الليبرالية وبدعم من لوبيات اقتصادية , على خلاف جريدة الفجر التي تنطق بلسان الولاء الديني العقائدي وهو ما عمق شرخ ” الاستقلالية ” خاصة حين ما لاحظ استفادة الاعلام المرئي والمسموع من هذا التقسيم ليتعمق الخلاف ويتسع مجال الصراع الفكري والسياسي والحزبي والايديولوجي مما ساهم في حيرة المتقبل الذي اصبح يعيش بهتانا اعلاميا مرده غياب ادوات الحرية والخوف كل الخوف اليوم من السقوط في نفس الفخ وانتاج نفس العقلية السياسية التي لا تستطيع ان تتحرك خارج القطبية .
أكرم معتوق
